فتوى الجهاد الكفائي ولحظة الخطر الوجودي
في مثل هذا اليوم قبل اثني عشر عاماً، كان العراق على مفترق طرق مصيري. فقد اجتاحت عصابات الظلام والتكفير أراضيه، واستباحت المدن والقرى، وساد القتل والنهب والتهجير. كما بدا أن البلاد مقبلة على سقوط مدوٍ لا تعقبه قيامة.
لكن السماء أرسلت غيثها من النجف الأشرف، حيث أطلق سماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني فتوى الجهاد الكفائي التاريخية المباركة. فكانت هذه الفتوى الصاعقة التي أفشلت أحلام الظلاميين، وأحبطت مؤامراتهم، وأعادت للعراق القدرة على النهوض في أصعب لحظاته.
لقد جاءت هذه الفتوى في الرابع عشر من حزيران عام 2014، حين كان الإرهاب الأسود يحاصر بغداد، ويهدد بقية المحافظات. وكان الخوف يتملك القلوب، غير أن كلمة الحق والتكليف الشرعي هزت الوجدان، وأفاقت الضمائر، وفتحت الطريق أمام ملحمة التصدي والنصر.
فتوى الجهاد الكفائي وانتفاضة الجماهير
انتفضت الجماهير الغفيرة من الشباب والشيوخ والعلماء والعشائر، تلبية لنداء المرجعية. وقد تحدوا الموت والمخاطر، وتوجهوا إلى ميادين القتال دفاعاً عن الأرض والعرض والمقدسات.
وبذلك، لم تكن فتوى الجهاد الكفائي مجرد نداء عابر في لحظة أزمة. بل تحولت إلى طاقة شعبية هائلة، وحركة وطنية واسعة، أعادت ترتيب المعادلة في مواجهة الإرهاب. كما منحت العراقيين ثقة جديدة بأن سقوط البلاد ليس قدراً محتوماً، وأن الإرادة الشعبية قادرة على تغيير مسار المعركة.
ومن هنا، اكتسبت الفتوى معناها التاريخي، لأنها جاءت في لحظة كان العراق يحتاج فيها إلى صوت يوحد الناس، ويعيد إليهم الإحساس بالمسؤولية، ويحول الخوف إلى فعل مقاومة.
ميلاد الحشد الشعبي ومعاني التضحية
لقد تجسدت بركة هذه الفتوى المباركة في ميلاد قوة استثنائية أطلق عليها الحشد الشعبي. وتمثلت في هذه القوة أسمى معاني التضحية والإخاء والوطنية، حيث اصطفت خلف راية واحدة أطياف العراق كافة، من سنة وشيعة وعرب وكرد وتركمان ومسيحيين.
لقد جمعهم حب الوطن والدفاع عن مقدساته. ولذلك، لم تكن هذه القوة مجرد تشكيل قتالي، بل كانت تعبيراً عن إرادة عراقية واسعة رفضت الانكسار، واختارت أن تقف في وجه مشروع القتل والتكفير.
وخاض رجال الحشد الشعبي، مع بقية صنوف قواتنا الأمنية البطلة، أعنف المعارك. فكانوا في الموصل والرمادي وتكريت وسامراء والفلوجة، يطهرون الأرض دماً بدم، ونفساً بنفس، حتى تم سحق جماعات الظلام التكفيرية الإرهابية تماماً، وطردها من آخر معاقلها في قضاء تلعفر وغرب نينوى.
ملحمة النصر وإعادة هيبة العراق
لقد أثبتت تلك الملحمة أن الإيمان والعقيدة والوحدة الوطنية أقوى من أي آلة تدمير. كما أثبتت أن فتوى المرجعية لم تكن مجرد دعوة للقتال، بل كانت مشروعاً وطنياً كاملاً أعاد للعراق أمنه واستقراره وهيبته.
ولم يقتصر أثر هذه الفتوى على تحقيق الإنجاز العسكري واستعادة المدن المحتلة. بل امتد ليؤسس حالة من التماسك الوطني في واحدة من أخطر المراحل التي مر بها العراق الحديث.
فقد أظهرت الوقائع أن تكامل القيادة المجتمعية مع الإرادة الشعبية ومؤسسات الدولة أسهم في ترسيخ مفهوم الدفاع الوطني المشترك. كما رسخ معادلة واضحة، مفادها أن وحدة الصف والتضامن المجتمعي يشكلان الركيزة الأساسية في مواجهة التحديات الأمنية وصون سيادة الدولة واستقرارها.
فتوى الجهاد الكفائي وبناء الثقة الوطنية
فضلاً عن ذلك، عززت فتوى الجهاد الكفائي الثقة بقدرة العراقيين على تجاوز الانقسامات، وتوحيد الجهود لحماية الوطن، والحفاظ على مؤسساته ومكتسباته في مواجهة الأزمات الوجودية.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الفتوى بوصفها حدثاً عسكرياً فقط. فهي محطة اجتماعية ووطنية أيضاً، لأنها كشفت أن المجتمع العراقي يمتلك، رغم الجراح والانقسامات، طاقة كامنة على التوحد عندما يواجه خطراً يهدد وجوده وهويته ومستقبله.
وهكذا، صارت الفتوى عنواناً لمرحلة كاملة من الصمود. كما أصبحت شاهداً على أن المرجعية الرشيدة، عندما تتلاقى مع إرادة الشعب ومؤسسات الدولة، تستطيع أن تصنع تحولات كبرى في لحظات الخطر.
الذكرى الثانية عشرة ودروس الأجيال
من هنا، تبقى الذكرى السنوية الثانية عشرة لانطلاق فتوى الجهاد الكفائي محطة توقف وتأمل وتقدير لأبطال صنعوا النصر بأيديهم ودمائهم الطاهرة.
كما تبقى درساً للأجيال القادمة بأن العراق لن يسقط طالما أن المرجعية الرشيدة، والوحدة الوطنية، والجيش الوطني، والحشد الشعبي، يقفون صفاً واحداً، ويداً واحدة على قلب رجل واحد، حماة للتراب والمقدسات.
فلتحيا فتوى السيستاني، وليدم عز العراق وشموخ أبنائه الأبطال.


