قناع الدين والانقلاب القيمي
تنطلق أزمة المشهد السياسي والاجتماعي اليوم من نقطة شديدة الحساسية والخطورة. وتتجلى هذه النقطة في ذلك الانقلاب القيمي الحاد الذي حوّل السلوك العام من ادعاء التدين والورع إلى واقع متجذر من الفساد والإفساد.
غير أن هذا العطب، في عمقه المعرفي والسيكولوجي، ليس مجرد وليد بيئة خارجية ضاغطة، ولا سلوكاً طارئاً فرضته التحولات. بل هو نتاج خلل بنيوي يصيب الفرد أولاً في عمقه الإنساني، قبل أن ينعكس على المجموع. ومن هنا، يظهر قناع الدين بوصفه ستاراً يخفي عورة الفساد ولا يفسرها وحده.
قناع الدين لا يبرر الفساد
حين نتأمل مشهد ما بعد الكوارث الكبرى، نجد أن محاولة إلصاق تهمة الفساد بالدين، أو اتخاذه مشجباً لتفسير الانحدار، ليست سوى نوع من التسطيح المعرفي والتبرير الساذج.
فاللص لا هوية دينية له، ولا انتماء عقائدياً يحركه. إن هويته الحقيقية والوحيدة هي «الخزانة المفتوحة» والمصرف والمغنم. ولذلك، فإن أكبر خدمة تُقدم للفاسد هي دمج سرقاته في إطار عقدي أو مذهبي.
فهذا الدمج يمنحه حشداً من الأتباع والشرعية، ويخرجه من خانة العزلة بوصفه مجرد سارق. فالحرامي هو الحرامي، بدين أو بلا دين. وكانت النتيجة ستؤول إلى النهب ذاته، لأن العقلية المحركة هي عقلية غنائمية لا صلة لها بمشروع بناء الدولة.
ويحدث ذلك في مجتمع عُرف تاريخياً بتدينه المعتدل والحيوي. فقد كانت التناقضات الأيديولوجية الحادة تذوب عفوياً في مناسبات العزاء والمواساة المشتركة. ولذلك، لا يصح أن يتحول الدين إلى شماعة تغطي فساد من استعملوه قناعاً لا التزاماً.
الأدب الحقيقي وفضح المحجوب
في هذا الفضاء الملتبس، يقف الأدب الحقيقي بوصفه مرآة كاشفة. فهو لا يُعنى برصد السطح الساكن، بل باختراق المحجوب وتوقع الكوارث قبل وقوعها.
وحين تصدر أعمال تنبؤية مبكرة تحاكم العقل السياسي المعارض قبل وصوله إلى كراسي الحكم، وتتنبأ بصراحة مرعبة بأن الجلود ستتحول إلى أحذية لساسة قادمين، فإنها تمارس أقصى درجات الأخلاق والنبالة. فهي تحذر من مصير الأبرياء قبل أن يقع.
لكن الصدمة تكمن في طبيعة القراءة السائدة. إنها قراءة سياسية وشخصية مسطحة ينتجها العقل التبسيطي المأزوم. وبدلاً من نقد النص وتفكيك مرجعياته، يتحول الكاتب نفسه إلى هدف لحملات تشهير منظمة.
وعاظ مزيفون وأقنعة أخلاقية
تقود هذه الحملات، في كثير من الأحيان، نماذج من الوعاظ المزيفين وكتاب الخواطر المناسباتية. هؤلاء يعانون من اضطراب الشخصية النرجسية الخفية وعقد الثأر، ويرتدون أقنعة الأخلاق ليمارسوا سلوكاً يعتمد على إسقاط هشاشتهم الداخلية على الآخرين.
كما يخترعون معارك وهمية للتغطية على غياب منجزهم الفكري. ويتناسون، في الوقت نفسه، أن الأدب ينبع من أعماق نقية كقاع بحيرة صافية، وأن الزمن وحده هو الفاحص والمختبر.
وهكذا، يتحول قناع الدين مرة أخرى إلى أداة في الصراع. لا لحماية الأخلاق، بل لحماية عجز معرفي، وتصفية حسابات شخصية، وإخفاء خواء فكري خلف لغة المواعظ والاتهامات.
الأخلاق المزعومة والوطن المتفسخ
إن هذا الصخب المزمن حول «الأخلاق في خطر» في حقل أدبي، يتغافل ببلادة عن وطن كامل يتفسخ، وعن إنسانية تُسحق كل يوم. وهنا تبرز الخديعة الكبرى حين يتواطأ الضحية في صنع مأساته.
فإذا كان من الممكن الاحتيال على الفرد لسرقة أشيائه العابرة، فإن سرقة وطن بأكمله، وتحت أي شعار، هي مسؤولية «المسروق» قبل السارق. إنها خطيئة الوعي الخاوي والذاكرة المستقيلة، التي فشلت في بناء مصدات وقائية ضد الدجل السياسي والانتخابي.
فالجمهور الذي يرى النيران تشتعل في أركان الدار، ثم يستمر في الصمت، والتواطؤ الذليل، وتبجيل الأوهام والأساطير، يصبح شريكاً أصيلاً في منح الشرعية لمؤسسة الحكم.
هندسة الإقصاء ووهم الاختيار
لقد صُمم النظام السياسي بدقة. كما استُبعدت العناصر الوطنية وأصحاب «الرؤوس الحارة» عبر الإقصاء الممنهج، بموجب هندسة مخابراتية دولية.
وفي النهاية، سُلّم القارب إلى أميين ثقافياً وسياسياً لا يجيدون إدارة مزرعة دواجن. بينما تدار النتائج والتوجهات عبر حواسيب الصفقات والمساومات، ليبقى المواطن أسيراً لوهم أنه يختار وينتخب.
وهنا يهرب المواطن من الحقيقة القاتلة: أن الصبر على الفساد والنهب هو الثمن الأفدح الذي يدفعه المجموع اليوم، وبالتقسيط المريح. ومن هنا، لا تكشف الأزمة عورة الفساد وحدها، بل تكشف أيضاً قناع الدين حين يتحول إلى ستار، وقناع السياسة حين يتحول إلى سوق، وقناع الجمهور حين يتنازل عن وعيه ثم يشكو من مصيره.


