دماء الشهداء ومعنى اللعنة التاريخية
تثبت شواهد التاريخ والواقع أن دماء الشهداء من القادة والعلماء الأجلاء لم تكن يوماً نهاية لنهجهم. بل تتحول، في كثير من الأحيان، إلى لعنة تلاحق قاتليهم، وتزرع في قلوبهم رعباً مقيماً لا يزول بمرور الأيام.
فالإقدام على اغتيال الرموز، ظناً من الطغاة أنه سيطفئ جذوة المقاومة أو ينهي مسيرة الكرامة، غالباً ما يرتد وبالاً وخوفاً يمزق طمأنينة المستكبرين. ولذلك، لا يكون الدم الزكي خاتمة الطريق، بل يصبح بداية محاكمة تاريخية لا يستطيع القتلة الهروب منها.
لعنة الدم من الحجاج إلى طغاة العصر
يعيدنا هذا المشهد بالذاكرة إلى صفحات التاريخ الإسلامي، وتحديداً إلى قصة استشهاد الصحابي الجليل والتابعي العظيم سعيد بن جبير على يد الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي.
فبعد أن أقدم الحجاج على قتله بغياً وظلماً، لم يهنأ بعدها بعيش. إذ تحول دم ابن جبير إلى كابوس يلاحقه في يقظته ومنامه، فأصابه المقت والجنون، وظل يردد بهلع وهذيان: «مالي ولسعيد بن جبير؟ مالي ولسعيد بن جبير؟».
وهكذا، هلك الحجاج طريداً لخوفه، مقتولاً برعبه قبل أن يموت بجسده. ومن هنا، تظهر دماء الشهداء كقوة معنوية لا يستطيع الطغاة إطفاء أثرها، لأنها تنتقل من لحظة الجريمة إلى ذاكرة الأمة وضمير التاريخ.
الرعب السياسي وشبح الجريمة
اليوم، نرى المشهد يتكرر بصورة عصرية. حيث يقف «الأحمق البرتقالي» دونالد ترامب مهزوزاً، يطارده شبح الجريمة الغادرة التي ارتكبها باستهداف قادة المقاومة والشهداء الأبرار.
إن هذا الرعب المتمكن من قلبه يظهر جلياً في تصريحاته وسلوكه الفزع. فقد بات يتيقن أن يد العدالة ومواقف أبطال الجمهورية الإسلامية ومحور المقاومة ليست بعيدة عن معادلة الحساب، وأن المساءلة القادمة لا مفر منها.
وبذلك، تتحول دماء الشهداء إلى عامل قلق دائم في وجدان من خططوا وشاركوا وباركوا. فالطاغية قد يظن أن القتل يطوي الصفحة، لكنه يكتشف لاحقاً أن الدم يفتح صفحات أثقل في التاريخ والوعي والردع.
تصريحات هلع وعقدة الخوف المقيم
في تجسيد واضح لهذا الذعر المتأصل الذي بات يعصف بكيانه، وفي محاولة يائسة لردع الكابوس الذي يلاحقه ليلاً ونهاراً، أطلق ترامب تصريحاً يعكس حجم الخوف والدونية التي يعيشها، قائلاً:
«تركت تعليمات بقصف إيران بمستويات لا مثيل لها إذا نجحت في اغتيالي».
إن هذه المقولة ليست دليلاً على القوة. بل هي وثيقة اعتراف صريحة بالرعب. فهي تكشف عن رجل يعيش خلف جدران سميكة من الحراسة، ومع ذلك يرتعد خوفاً من رد الفعل الحتمي.
لقد تحولت دماء السيد الولي الشهيد وقادة النصر إلى زلزال يزلزل عروشهم، مصداقاً للوعد الإلهي: «سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ».
دماء الشهداء ووعد العاقبة
بقي شيء.
إن العاقبة للمتقين، ولن تضيع دماء سُفكت في سبيل إعلاء كلمة الحق ونصرة المستضعفين. فالتاريخ يعلّمنا أن دماء الشهداء لا تغيب، وأن أثرها لا يتوقف عند لحظة الفقد، بل يستمر في إحياء الشعوب، وكشف الطغاة، وملاحقة القتلة في الوعي والذاكرة والمصير.
اللهم أظهر عدلك في كل من شارك في هذه الجريمة، أو أعان عليها، أو رضي بها. واجعل تدبيرهم وبالاً عليهم، وأرِنا فيهم آيات عدلك وانتقامك، كما أريتنا في الحجاج وأمثاله من طواغيت التاريخ.

