إعلان الإطار التنسيقي ترشيح رجل الأعمال علي الزيدي لرئاسة مجلس الوزراء كان بمثابة كشف صريح لطبيعة اللعبة التي تُدار بها مفاصل الحكم في العراق حيث الأحزاب والكتل تتصارع على مناصبها كما لو كانت غنائم حرب ثم تنتهي إلى إخراج اسم من تحت الطاولة لم يخطر على بال ليكون مرشح تسوية يُفرض على شعب بكامله وكأنه ولي عهد جلس على كرسي لم ينتخبه أحد فكان أشبه بانقلاب أبيض على إرادة المواطنين يتوج بمرشح خرج من غياهب المجاملات الحزبية ليمسك بمصير أكثر من أربعين مليون إنسان دون أن يكون لأي منهم صوت في اختياره .
فالقصة التي رواها بعض قادة الإطار التنسيقي أنفسهم تكشف عن فضيحة سياسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى فقبل أسابيع قليلة كان الجميع يتحدث عن ترشيح نوري المالكي لعودة ثالثة مثيرة للجدل منافسا للسوداني ثم بدا وكأن أحداً ما ضغط على زر إعادة ضبط ليتوقف الجميع فجأة أمام اسم باسم البدري وبعد أن ظن العراقيون أنهم استوعبوا فصول المسرحية جاءت الساعات الأخيرة لتفاجئهم باسم رابع غير مألوف اطلاقاً هو علي فالح كاظم الزيدي وهو شخص لم يمارس السياسة في يوم من الأيام بل يوصف بأنه رجل أعمال ذو ثروة واسعة يرتبط في أنشطته التجارية بقطاعات حساسة مثل البنوك وتوريد السلة الغذائية التي تخدم ملايين العراقيين إن هذه القفزات السريعة بين الأسماء لا تعبر عن أي عملية ديمقراطية شفافة بل تعبر عن صفقة تمت في الخفاء .
ماحدث هو أن الكتلة الأكبر عدداً اختارت ألا تعرض مرشحها على الرأي العام للحوار والنقاش ولا أن تخوض في برنامجه الحكومي وخططه الاقتصادية والأمنية بل اكتفت بتقديمه كأمر واقع يجب أن يُقبل طواعية زاعمة أن هذا هو الإجراء الطبيعي بينما في الواقع هذا الإجراء يفتقد للروح الحقيقية للديمقراطية التي تقوم على التنافس الحر والإقناع لا الإذعان والرضوخ ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو أن أعضاء الإطار التنسيقي أنفسهم اعترفوا في تصريحاتهم بأن اسم الزيدي لم يكن مطروحاً من الأساس في اجتماعاتهم السابقة وأن ترشيحه فاجأ حتى نواب الإطار أنفسهم فهو مرشح تسوية من الدرجة الثالثة لم يطرح اسمه يوماً خلال مباحثات تشكيل الحكومة.
إن هذه الممارسات تفضح حقيقة أن الطبقة السياسية الحاكمة لم تعد تملك أي رابط بما تبقى من شرعية فهي تعيش في عالم مغلق لا تصل إليه أصوات الشارع ولا يتأثر بتطلعات الشباب ولا يستجيب لآلام الفقراء المعدمين إن مشهد قادة الكتل وهم يتصارعون على حصصهم ثم يتنازلون لبعضهم البعض في غرف مغلقة عن مرشحين كانوا بالأمس القريب يوصفون بأنهم الحل الوحيد كل ذلك ليخرجوا في النهاية بإنسان ثري لا يعرفه غالبية العراقيين ويصرحون بأنه سيكون رئيسهم القادم هذا المشهد دليل قاطع على أن العملية السياسية العراقية قد انحرفت عن مسارها الأصلي وابتعدت عن الهدف الذي قامت من أجله.
فمن هو علي الزيدي الحقيقي الذي سيتحمل هذه المسؤولية الجسيمة؟ بكل أسف المعلومات المتاحة عن الرجل تكشف عن حالة من الغموض والالتباس فالمصادر الإعلامية تؤكد أنه غير معروف على الصعيد السياسي في العراق وهو شاب في الأربعين من عمره من مواليد محافظة ذي قار جنوب العراق ويمتلك استثمارات في قطاعات متعددة تشمل البنوك والعقارات والزراعة والإعلام .
هو رجل أعمال ناجح في مجاله لكن هل نجاحه في الأعمال التجارية مؤهل كافٍ لقيادة دولة في حالة حرب دائمة ضد الفساد المستشري والإرهاب المتجدد والخدمات المتهالكة؟
السياسة ليست إدارة شركة خاصة مهما كبرت بل هي إدارة تناقضات مجتمع بأكمله ولا تتطلب المال فقط بل تتطلب رؤية وخبرة عميقة وإرادة سياسية فولاذية وكل هذه الصفات لم تظهر بعد في السيرة الذاتية للرجل الذي لم يخض أي معركة انتخابية ولم يعرف كيف تكون مواجهة الجماهير بالبرامج والحجج.
ولعل الأكثر إثارة للقلق في هذه الولاية هو ارتباط الرجل الوثيق بالإطار التنسيقي الذي يضم تكتلات وفصائل موالية للخارج بشكل أو بآخر وهو ما يطرح تساؤلات خطيرة حول مدى استقلالية القرار العراقي في المستقبل وهل سنكون أمام رئيس وزراء عراقي وطني يدافع عن ثروات بلاده وسيادتها أم سنكون أمام مدير تنفيذي لائتلاف سياسي لديه حساباته الخاصة وأجنداته الإقليمية؟


