بين المطرقة والسندان: قراءة في مشروع الزيدي لخصخصة الدولة العراقية

بين المطرقة والسندان قراءة في مشروع الزيدي لخصخصة الدولة العراقية
تثير خصخصة أصول الدولة العراقية مخاوف من تحويل الأزمة المالية إلى فرصة جديدة للنهب، في ظل ضعف الرقابة والفساد، بما يهدد المال العام والعدالة الاجتماعية، ويستدعي إصلاحاً مؤسسياً قبل أي تحول اقتصادي...

في خطوة تعكس يأس النخب الحاكمة من إيجاد حلول جذرية للأزمة المالية الخانقة يدفع رئيس الوزراء علي الزيدي بجرأة نحو تصفية أصول الدولة تحت عنوان (تجاوز العقلية الاشتراكية) وهي المقولة التي توارثتها الحكومات العراقية كلما احتاجت لتبرير عجزها عن الإدارة. فبينما يتجاوز الدين العام 83 مليار دولار ويواجه العراق عجزاً في تمويل الرواتب يبدو أن وصفة بيع الممتلكات العامة باتت الحل السحري وإن كان مؤقتاً ومدمّراً على المدى البعيد .

إن تحويل ملكية المؤسسات الحكومية المثقلة بالديون إلى القطاع الخاص ليس علاجاً بقدر ما هو نقل للأعراض. فالتجارب العالمية وخاصة في دول تعاني من فساد مستشري أثبتت أن صفقات البيع هذه تتحول عادةً إلى بوابة لنهب جديد حيث تباع الأصول بأسعار تقل عن قيمتها الحقيقية بفارق يذهب إلى جيوب النافذين . هذا المسار الذي يهدف إلى توفير 50 مليار دولار يضع اللبنة الأولى لتفكيك الدولة الاجتماعية ليحل محلها اقتصاد حر غير منظم يفتقر إلى الضمانات التي تحمي الطبقات الفقيرة والكادحة.

صحيح أن النموذج الريعي القائم على النفط والوظيفة الحكومية قد أثبت فشله في استيعاب الطاقات الشابة وبناء اقتصاد منتج وصحيح أن القطاع الخاص يجب أن يكون محركاً للتنمية . لكن المغالطة الكبرى في طرح الزيدي هي افتراض أن القطاع الخاص العراقي الحالي هو كيان ناشئ قادر على المنافسة الشريفة بينما هو في حقيقة الأمر امتداد لشبكات المحاصصة والفساد فهو (خاص) بالاسم فقط لأنه يعيش على هامش عقود الحكومة ويعيد إنتاج علاقات الريع . إن تسليم مفاتيح الاقتصاد لهذا القطاع دون بناء مؤسسات رقابية قوية ودولة قانون عادلة يعني القضاء على آخر تطلعات الفقراء.

ولا تقتصر مخاطر هذا التوجه على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع ومستقبل التنمية الاقتصادية في البلاد. إذ تشير تجارب العديد من الدول إلى أن الخصخصة في البيئات التي تعاني ضعفاً مؤسسياً وارتفاعاً في مستويات الفساد لا تؤدي بالضرورة إلى تحسين الكفاءة الاقتصادية، بل قد تفضي إلى انتقال الثروة العامة إلى أيدي مجموعات محدودة تمتلك النفوذ والقدرة على التأثير. لذلك فإن أي تحول اقتصادي من هذا النوع ينبغي أن يسبقه بناء منظومة رقابية وقانونية رصينة تضمن الشفافية والمنافسة العادلة وتحافظ على المصلحة العامة.

بدلاً من تصفية الأصول كان بإمكان الزيدي الذهاب نحو إصلاحات أكثر جدوى وأقل ضرراً. فالعراق يمتلك كنزاً هائلاً من الغاز المصاحب الذي يحرق هدراً ويمثل استثماره وتوطين الصناعات التحويلية باباً واسعاً لتوفير فرص عمل حقيقية دون الحاجة لبيع الدولة . كما أن الأولوية الحقيقية كانت يجب أن تتركز على ملاحقة الفاسدين واسترداد الأموال المنهوبة وهي الأموال التي تقدر بمئات المليارات وهي كفيلة بسد العجز دون المساس بمكتسبات المواطنين . إن مشروع الزيدي على الرغم من زخمه الإعلامي لا يقدم حلولاً سحرية بقدر ما يفتح شهية النافذين لالتهام ما تبقى من جسد الدولة محولاً العراق من (دولة ريع) إلى سوق مفتوحة للنهب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *