تشهد الساحة السياسية العراقية في الآونة الأخيرة جدلاً واسعاً حول أنباء متداولة في بعض المواقع الإخبارية مفادها أن المبعوث الأمريكي المكلف بملفي سوريا والعراق توم باراك، يسعى إلى نزع سلاح قوات البيشمركة وحلها ودمجها بالقوات الأمنية العراقية. هذه التصريحات وإن لم تصدر بشكل رسمي وحاسم بعد أثارت موجة من القلق في إقليم كوردستان وأعادت إلى الأذهان ملفات عالقة تتعلق بهوية هذه القوة ومستقبلها في ظل المتغيرات الإقليمية.
في الحقيقة فكرة دمج البيشمركة أو تقليص استقلاليتها ليست وليدة اللحظة بل هي سياسة أمريكية بدأت ملامحها تتضح منذ عدة أشهر. المؤشر الأكثر دلالة على هذا التوجه هو قرار البنتاغون في أيار 2026 بإلغاء التمويل المباشر لقوات البيشمركة بشكل كامل من ميزانية عام 2027 بعد أن كان يخصص لها 61 مليون دولار سنوياً مع تحويل هذا الدعم إلى مؤسسات الدفاع العراقية المركزية . هذا القرار يُظهر تحولاً في الاستراتيجية الأمريكية نحو تعزيز الدولة المركزية في بغداد على حساب الأقاليم شبه المستقلة ويُعتبر ضغطاً كبيراً على قادة الإقليم للقبول بدمج قواتهم.
من جانب آخر يبدو أن فكرة دمج القوات ليست مجرد إملاءات خارجية بل هناك قناعة عراقية متنامية بضرورة إعادة هيكلة كل القوات المسلحة. تتحدث تقارير حديثة عن مقترح حكومي عراقي لإنشاء (وزارة أمن اتحادية) تشرف على جميع التشكيلات المسلحة بما فيها البيشمركة والحشد الشعبي بهدف حصر السلاح بيد الدولة . هذا المشروع يضع قادة الإقليم أمام تحدٍ كبير حيث أنهم يرفضون فكرة حل البيشمركة ويعتبرونها جزءاً من الهوية الوطنية والتاريخ النضالي للشعب الكوردي .
إن مطالبات توم باراك المدعومة بقطع التمويل وضغوط بغداد تهدف إلى تحويل البيشمركة من قوة مستقلة تحت إمرة الإقليم إلى تشكيل ضمن المنظومة الدفاعية العراقية تتبع القيادة العامة للقوات المسلحة في بغداد. وبينما يرفض المسؤولون الكورد حلًا حاسماً قد يفقدهم قوتهم التفاوضية فإنهم يبدون مرونة نسبية تجاه فكرة (التنسيق والتوحيد )تحت مظلة وزارة البيشمركة أولاً كخطوة تمهيدية للتعامل مع بغداد . لقد بدأ تنفيذ هذا التوجه عملياً بتشكيل لواءين مشتركين من الجيش والبيشمركة لمكافحة الإرهاب وملء الفراغ الأمني .
تمثل قضية البيشمركة اليوم أحد أكثر ملفات الأمن العراقي حساسية، لتداخل البعد الدستوري مع التوازنات السياسية.
ويجعل هذا التداخل أي نقاش حول الدمج أو إعادة الهيكلة مسألة تتجاوز الجانب العسكري إلى شكل الدولة نفسها.
في الختام يبقى المشهد غامضاً فبين إصرار واشنطن على إنهاء حالة الازدواجية العسكرية وإصرار أربيل على الحفاظ على مكتسباتها يبدو أن البيشمركة مقبلة على مرحلة تغيير جذري ليس بالضرورة بحلها بل بإعادة صياغة علاقتها مع الدولة العراقية بشكل يضمن بقاءها كقوة ضمن هيكل مركزي موحد وهو ما سيكون له تداعيات كبيرة على موازين القوى في المنطقة.


