ثمة فارق جوهري بين من يجهل ولا يعلم، ومن يعلم ثم يختار. الأول معذور بجهله، والثاني محاسَب باختياره. وحين نقف أمام ظاهرة المشاهير الدينيين الذين وظّفوا رصيدهم الروحي في خدمة السياسة، فنحن لا نقف أمام ضعف بشري عابر، بل أمام نمط ممنهج من الانسلاخ عن الهوية تحت ستار التديّن، وهو نمط لا يتجلى في أحد بوضوح ما يتجلى في المقرئ الكويتي مشاري العفاسي.
لم يكن العفاسي مجرد صوت جميل يُطرب الآذان، بل كان — لسنوات — رمزاً من رموز الأثير الإسلامي، تتداول مقاطعه ملايين المسلمين من جاكرتا إلى الدار البيضاء. صوته الذي كان يرتل به آيات الرحمة والعدل، والذي رأيناه يمسح دموعه تأثراً في محاريب التلاوة، هذا الصوت ذاته تحوّل اليوم إلى أداة في منظومة الدعاية السياسية، ليغني دعما لإسرائيل ما لم يجرؤ على غنائه لأطفال غزة.
الظاهرة التي يمثّلها العفاسي لا تبدأ بالخيانة، بل تبدأ بالبناء. يُراكم هؤلاء رصيدهم الرمزي عبر سنوات من التلاوة والإنشاد والظهور الديني، حتى يصبح اسم أحدهم مرادفاً في الوجدان الشعبي للأمانة الروحية. هذا الرصيد ليس مجرد شهرة، بل هو طاقة اجتماعية مخزونة قابلة للتحويل والاستثمار في لحظة الحاجة. وحين تأتي لحظة الاختبار الحقيقي — حين تشتعل فلسطين، حين يُقصف اليمن، حين تتمزق أجساد الأطفال في ايران — يكشف هؤلاء عن الوجه الحقيقي لهذا الرأس المال: لم يكن يوماً في خدمة الدين، بل كان في خدمة الموقع. الدين هنا ليس هوية، بل قناع يُرتدى في المواسم المربحة ويُخلع حين تتعارض مع الولاءات الحقيقية.
ولفهم العفاسي كنموذج، لا بد من فهم البيئة التي أنتجته. النخب الخليجية التي وجدت نفسها في ملتقى الثروة الهائلة والهشاشة الجيوسياسية طوّرت هوية مركّبة مأزومة: تستعير عباءة الإسلام حين تحتاج إلى شرعية شعبية، وتنزعها حين تتعارض مع المصالح الاستراتيجية. وفي قلب هذه الأزمة يعيش وهم أن الولاء للقوى الكبرى — بما فيها إسرائيل اليوم — هو ضرب من ضروب البراغماتية الراشدة، في حين هو في حقيقته استيعاب ذاتي طوعي لمنظومة القيم التي تنهش حقوق الأمة التي يدّعون الانتماء إليها. وما يزيد المأساة عمقاً أن هذا الانسلاخ لا يأتي مصحوباً بالإقرار والصراحة، بل يأتي متشحاً بخطاب يوظّف العداءات المذهبية التاريخية والهواجس الجيوسياسية ليبرر التطبيع مع العدو الأصلي. الضغينة المذهبية تُستخدم جسراً نحو التطبيع، وهذا تحديداً ما يجعل النموذج العفاسي أشد خطورةً من أن يُختزل في مجرد موقف شخصي.
الصمت وحده كان كافياً للإدانة. أن لا يرتجف الصوت الذي بكى في محراب التلاوة أمام صور أطفال غزة — هذا الصمت فضيحة بحد ذاتها. لكن أن يتجاوز الصمت إلى المشاركة الفاعلة في منظومة الدعاية ضد شعب مسلم يُباد، فهذا ما يضع العفاسي في خانة مغايرة تماماً: خانة من استيقظوا ذات صباح فوجدوا أن ضمائرهم أرخص سلعة في السوق. لم نسمع له كلمة في مجازر غزة. لم تهزه صورة طفل في اليمن. مضى في طريقه بتلك الخفة المريبة التي تميّز من فرغ الداخل وبقي الصوت وحده قشرةً جوفاء.
العفاسي ليس استثناءً، لكنه نموذج مكثّف. نموذج يكشف كيف يمكن للدين أن يتحول من هوية جذرية تُلزم وتحاسب، إلى أداء مسرحي يُشغَّل عند الطلب ويُوقف عند الحاجة. وفي هذا كله لا يسعنا إلا أن نقرأ في مسيرته درساً مؤلماً: الصوت الجميل حين يفقد ضميره، لا يصبح صامتاً فحسب — بل يصبح شاهد زور على الجريمة. وتلك، بكل أسف، هي الخاتمة التي اختارها هو بنفسه.


