روحٌ زُرعت في قلوبِ الملايين ولم تمت

روحٌ زُرعت في قلوبِ الملايين ولم تمت
يقدّم الطرح الإمام الخميني بوصفه ظاهرة روحية وتاريخية زرعت الكرامة والإرادة في وجدان الملايين، وأطلقت مشروعاً استقلالياً لا شرقياً ولا غربياً، ما جعل إيران فكرة حيّة تقاوم الحصار والاغتيالات والضغوط...

رجلٌ بلحيةٍ بيضاء كأنها ثلجُ الجبال الراسيات، وعمامةٍ سوداء كأنها شاهدٌ على كلِّ دمٍ أُريق في سبيل الحق، وظهرٌ مثقلٌ لا بهموم نفسه، بل بأثقال أمةٍ كاملة حملها قلبُه قبل أن تحملها كتفاه.

هذا هو روح الله الخميني.

لم يكن ظاهرةً سياسية تُفسَّر بمعادلات السلطة، ولم يكن حدثاً يُحلَّل بمناهج علم الاجتماع، كان شيئاً آخر تماماً، شيئاً يعجز عنه المنطقُ الغربي ويقصرُ دونه الخطابُ الشرقي التقليدي، كان ظاهرةً روحية بامتياز، وكأن التاريخ أراد أن يُثبت مرةً أخرى أن الذين يقلبون الموازين ليسوا دائماً أصحاب الجيوش والأساطيل، بل أصحاب اليقين الذي لا يهتزّ.

في القرن العشرين، مرّت الأرض بثوراتٍ كثيرة. بولشفيةٌ حملت البنادق ثم بنت الستائر الحديدية. وقوميةٌ رفعت الأعلام ثم أقامت الأنظمة الوراثية. وتحرريةٌ طردت المستعمر ثم أقامت نسخةً منه بوجوهٍ محلية. لكنَّ ثورةً واحدةً فقط في ذلك القرن كله خرجت من المسجد ولم تدخل القصر إلا لتجعله مختلفاً، خرجت من حلقات الفقه ولم تنسَ الفقراء، رفعت شعاراً لم يرفعه أحدٌ من قبله ولا من بعده بهذا الصدق: لا شرقية ولا غربية.

لم يقل الخميني هذا الشعار ليُبهر المستمعين، قاله لأنه عاش معناه قبل أن يتلفّظ بحروفه. كان يرى في الشرق السوفييتي استبداداً بوجهٍ مختلف، وفي الغرب الأمريكي استعماراً بعباءةٍ مختلفة، وكان يرى في الإسلام الحقيقي، إسلام علي وفاطمة والحسين، طريقاً ثالثاً لا يلتقي بأيٍّ منهما.

يسألك التاريخ: كيف لرجلٍ في الخامسة والسبعين من عمره أن يصمد في المنفى ستة عشر عاماً، يُحاضَر ضده، يُشوَّه، تُحاك ضده المؤامرات، وهو في النجف وعلماؤها الكبار لا يجمعهم جميعاً رأيٌ واحد، ثم في باريس وكاميراتها المستغربة تلتقط كل كلمة يقولها، ومع ذلك لا يرتبك ولا يتراجع ولا يساوم؟ الجواب لا يُوجد في علم السياسة، يُوجد في طبيعة الرجل الداخلية.

كان الخميني قبل أن يكون ثائراً، فقيهاً ومتصوفاً وعارفاً. كتب في العرفان ما يكتبه أعمق المتصوفين، وكانت صلاته ليست طقساً يؤديه بل نبضاً يعيشه. رجلٌ يعيش بهذه العلاقة مع الغيب لا يخاف المنفى، لأن المنفى بالنسبة إليه مجرد محطةٍ في طريق الله. ثباتُه لم يأتِ من قوة نفسية عادية، أتى من يقينٍ راسخ بأن ما يفعله ليس مشروعه هو، بل إجابةٌ على نداءٍ أكبر منه. وحين يعيش الإنسان بهذا الإحساس يصبح الخوف غريباً عليه، وتصبح المصاعب مجرد علاماتٍ على أنه في الطريق الصحيح.

دواؤه كان الكرامة. أعاد للإيراني البسيط، للفلاح والعامل وامرأة القرية والشاب المهمَّش، إحساسه بأنه إنسانٌ يستحق أن يُحترم ويستحق أن يقف منتصباً. في ظل الشاه كانت إيران دولةً ذات مقعدٍ في الأمم المتحدة لكنها لا تملك كرامةً في الشارع، لأن الكرامة الحقيقية لا تُهدى من واشنطن، تُنتزع من الداخل. ودواؤه الثاني كان المعنى، أعطاهم إجابةً على السؤال الذي يسكن كل إنسانٍ: لماذا أنا هنا؟ ولأيِّ شيءٍ أحيا؟ الشعب الذي يملك إجابةً لهذا السؤال لا يُهزم، لأنه يحيا بقصةٍ أكبر من مجرد البقاء. وحوَّل بهذين الدواءين الكهولَ المنهكين إلى أسودٍ لا تخشى الموت، لا لأنهم لا يقدِّرون الحياة، بل لأنهم وجدوا ما هو أثمن من الحياة: أن يموتوا واقفين.

وها هي إيران اليوم، بعد أكثر من أربعة عقودٍ على تلك الثورة، تقف في مواجهةٍ لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلاً في ضراوتها. حصارٌ اقتصادي يُخنق الأنفاس، وعقوباتٌ تتراكم كطبقات الثلج، وعمليات تخريبٍ طالت أعمق أعماق البنية العلمية والعسكرية، واغتيالاتٌ طالت أرقى عقول الجمهورية من فخري زاده إلى سليماني، ولا تنتهي. ومع ذلك تقف إيران. ليس لأنها قوةٌ عسكرية لا تُقهر، وليس لأن اقتصادها منيعٌ لا يتأثر، بل لأن ما زرعه الخميني في وجدان هذا الشعب لا يُدمَّر بالعقوبات ولا يُستهدف بالاغتيالات. ما زرعه هو الإرادة، تلك الطاقة السرية التي تجعل شعباً كاملاً يقول بصوتٍ واحد: نحن هنا ونحن باقون.

إيران التي تتحدى اليوم أعظم تحالفٍ ضغطٍ في التاريخ المعاصر ليست فقط جيشاً أو حكومةً أو اقتصاداً، هي فكرةٌ حيّة لا يزال يُسقيها ذلك السيد المسن من قبره، روحٌ تسري في شوارع طهران وأزقة كربلاء ومخيمات غزة وجبال اليمن وضاحية بيروت. ما الفرق بين زعيمٍ يُرفع تمثاله في الميادين وزعيمٍ يُزرع في القلوب؟ التمثال تستطيع أن تهدمه وقد فعلوا، أما ما يُزرع في القلوب فلا يُهدم. الخميني رجلٌ غادر هذه الأرض عام 1989 وما زال حاضراً، ليس في البروباغاندا الرسمية فحسب، بل في دموع الجدة الإيرانية التي ترى في صورته من رأت الحرية لأول مرة، وفي حماس الشاب الذي يُؤمن بأن هذه الأمة قادرةٌ على أن تقول لا.

في النهاية، ليس المهم أن تتفق مع كل ما فعله الخميني أو تختلف، المهم أن تفهم ظاهرته، لأن الذي لا يفهمها سيظل يُخطئ في قراءة المشهد الإقليمي كله، وسيظل يتساءل بذهولٍ: لماذا إيران لا تسقط؟ والجواب البسيط الذي يصعب قبوله على أصحاب الأساطيل: لأن الأمم التي تؤمن بشيءٍ أكبر من الخوف، لا يُهزم فيها شعبٌ بالجوع ولا يُستسلم فيها قلبٌ بالحصار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *