ثمة فارق جوهري بين أن تمتلك السلطة وبين أن تمتلك الدولة، فارق لم تدركه القوى السياسية الشيعية في العراق إلا حين صار الإدراك متأخراً. منذ عام 2003، جرى تسليم هذه القوى مقاليد الحكم الرسمي بيدٍ، فيما كانت اليد الأخرى تُحكم قبضتها على مفاصل الدولة الحقيقية تلك المفاصل التي لا يراها البيان الحكومي ولا تُضمّنها أجندة الاجتماع الوزاري. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد عقدين كاملين من هذه التجربة هل حكم الشيعة العراق؟ بل هل امتلكوا فعلاً دولته؟
أولاً: المعادلة المقصودة — السلطة بديلاً عن الدولة
لقد كانت المعادلة دقيقة في هندستها ومقصودة في بنائها: أعطِ الشيعيَّ المنصبَ والبروتوكول والعنوان، واملأ وقته بجلسات التوافق وطقوس التسوية، واستنزف طاقته في إدارة التوازنات بين الكتل، وسيظل يحسب نفسه حاكماً بينما هو في الحقيقة يُدار. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل هي قراءة هادئة لنمط تكرّر بانتظام مريب على مدى عقدين من الزمن.
الدليل الأول كان في بنية الدستور نفسه. فقد أُنتج الدستور العراقي لعام 2005 في ظروف أقل ما يقال فيها إنها مُتسرَّعة، وجاء وثيقةً تُوزّع الصلاحيات أكثر مما تُمركزها، وتُشرعن التداخل بين المركز والأطراف أكثر مما ترسم حدوداً واضحة للسلطة التنفيذية. وقد بدا لاحقاً أن هذا التوزيع لم يكن خللاً عارضاً بل كان بنية مقصودة تضمن أن لا يمتلك أحد القدرة على بناء دولة مركزية متماسكة.
الدليل الثاني كان في ملف الكهرباء. فبعد عقدين ومئات المليارات من الدولارات المصروفة، لا يزال المواطن العراقي في بغداد وكربلاء والبصرة يحتاج إلى مولّد الحي قبل أن يحتاج إلى الشبكة الوطنية. وهذا الفشل ليس فشلاً تقنياً فحسب، بل هو فشل في امتلاك قرار الدولة لأن ملف الطاقة ارتبط منذ البداية بشبكة مصالح دولية وإقليمية جعلت إصلاحه الحقيقي يتعارض دائماً مع توازنات تفوق طاقة أي وزير أو رئيس وزراء مهما كانت نواياه.
ثانياً: الجرح النرجسي — حين يكون المنصب مُسكِّناً
جاءت القوى الشيعية إلى السلطة وهي تحمل تاريخاً من الإقصاء والقمع المتراكم، وجاءت أيضاً وهي تحمل عُقَد ذلك التاريخ. ولعلّ من أشد المفارقات مرارةً أن الجرح النرجسي الذي خلّفه الإقصاء الطويل قد تحوّل إلى ثغرة استُغلّت بعناية إذ صار المنصب — لا الإنجاز — هو المُسكِّن، وصار الحضور في الصورة الرسمية — لا التأثير في القرار — هو ما يُشبع الجوع المتراكم في الروح السياسية لنخب طالما جلست على الهامش. هكذا وقعت نخبٌ بكاملها في فخ السلطة الشكلية، لا لأنها جاهلة، بل لأنها جائعة.
وتكشف قراءة السير الذاتية لكثير من الساسة الشيعة ( الجيل الاول) الذين تولّوا مناصب رفيعة بعد 2003 عن نمط مشترك: سنوات من المنفى والعوز أو السجن أو العمل السري، ثم عودة مفاجئة إلى دوائر السلطة دون مرحلة انتقالية تُهيّئ لإدارة الدولة المعقدة. هذا الانتقال المتسارع من الهامش إلى المركز خلق فجوة بين امتلاك الشرعية التاريخية وامتلاك الكفاءة المؤسسية، وهي فجوة استثمرها آخرون ببراعة.
ثالثاً: البيروقراطية الموازية — الدولة داخل الدولة
الوزارة التي يترأسها شيعي لا تعني بالضرورة وزارة تخدم المواطن أو تُعبّر عن مشروع الدولة. كانت البيروقراطية العميقة، وشبكات الموردين والمقاولين، والمستشارون الدوليون، وبنية التعيينات الهيكلية في المؤسسة الأمنية والمالية — كل هؤلاء يشكلون طبقة موازية للسلطة الرسمية تعمل بمنطق مختلف تماماً عن منطق الانتخابات ونتائج الصناديق.
والمثال الأكثر دلالة على ذلك هو ملف قانون النفط والغاز الذي لم يُقرَّ حتى اليوم. فمنذ عام 2007 وهذا الملف معلّق، وقد دفع العراق ثمن هذا التعليق استنزافاً مستمراً لثروته في غياب إطار قانوني يحمي حقه السيادي الكامل. وليس سراً أن الجهات الدولية ذات المصلحة في إبقاء هذا الملف مفتوحاً كانت دائماً قادرة على إيجاد طرف عراقي يُعيد إنتاج الأزمة كلما اقتربت من الحل.
رابعاً: ثقافة البريستيج — الواجهة بدلاً من المضمون
حين تصبح السيارة المصفّحة والحراسة الموسّعة واللقطة الإعلامية مقياسَ النجاح السياسي، يكون المسؤول قد قبِل — طوعاً أو كرهاً — بالعيش داخل الشكل مع تسليم المضمون لغيره. وقد أسهمت في ذلك بنية الإعلام وبنية العلاقات العامة الحزبية التي رسّخت معادلة أن القوة تُقاس بالمظهر لا بالأثر. وهكذا نشأ جيل كامل من الساسة يُتقنون فن الظهور ويجهلون علم البناء، يُحسنون إدارة الواجهة ولا يعرفون كيف يُحكمون قبضتهم على الدولة من الداخل.
وفي هذا السياق يمكن قراءة الاهتمام المُبالَغ فيه بالمناسبات الاحتفالية والتغطيات الإعلامية لافتتاحات المشاريع — التي كثيراً ما تُفتتح قبل اكتمالها ثم تُنسى — مقابل الغياب شبه التام لأي خطاب سياسي يتناول بنى الدولة العميقة وآليات إصلاحها.
خامساً: غياب المشروع الفكري — السلطة بلا روح
السلطة السياسية التي لا تُنتج نخبة فكرية مستقلة، ولا تبني رواية سياسية متماسكة تتجاوز منطق الحصة وتُعلي من مشروع الدولة — هي سلطة تحكم بلا روح. وقد ظل المشهد الشيعي السياسي في العراق بعيداً عن إنتاج مثقفه العضوي الذي يُترجم السلطة إلى رؤية، ويُحوّل الوجود في الحكم إلى حضور في التاريخ.
والمقارنة هنا مع التجربة الإيرانية — رغم كل تعقيداتها — صارخة؛ إذ نجحت منظومة الحكم هناك في إنتاج خطاب فكري وأيديولوجي متماسك يُؤطّر السلطة ويُضفي عليها معنى استراتيجياً، بينما بقيت القوى السياسية الشيعية العراقية في معظمها أسيرة خطاب انتخابي موسمي يتجدد مع كل دورة ثم يتلاشى. وهذا الغياب الفكري هو ما يجعل المشروع السياسي هشاً أمام أي تحدٍّ بنيوي حقيقي.
ماذا لو استمر هذا النموذج؟
السؤال الأشد إلحاحاً من كل ما سبق : لماذا وصلنا إلى هنا؟ بل: إلى أين نمضي إذا بقينا على هذا المسار؟
الجيل الشيعي الجديد الذي يطالب بالدولة لا بالحصة، وبالخدمات لا بالمنصب — بات يفقد ثقته تدريجياً ليس بالطبقة السياسية وحدها، بل بجدوى المشاركة السياسية برمّتها. وعزوف هذا الجيل يعني شيئاً واحداً: أن الفراغ الذي يتركه لن يملأه الإصلاح، بل ستملأه الفوضى أو الاستبداد أو كلاهما معاً.
وعلى المستوى الهيكلي، فإن الاستمرار في نموذج توزيع الغنيمة يُرسّخ اقتصاداً ريعياً يقوم على النفط لا على الإنتاج، ودولةً تستورد كل شيء — البضائع والقرارات والرؤى على حدٍّ سواء — بينما تُصدّر الكفاءات والعقول إلى خارج حدودها. وفي الجغرافيا السياسية المتحولة التي يشهدها الشرق الأوسط اليوم، لا مكان لدولة هشة البنية في المعادلات الإقليمية الكبرى، وستبقى ورقة يُلعب بها لا لاعباً يُمسك بأوراقه.
أما على مستوى الهوية السياسية الشيعية ذاتها، فإن أخطر ما يُنتجه هذا النموذج هو انفصال متزايد بين المرجعية الدينية الرصينة التي طالما شكّلت وجداناً جامعاً، وبين الممارسة السياسية اليومية التي باتت تستنزف رصيد تلك المرجعية دون أن تُراكم شيئاً يستحق. وحين يختل هذا التوازن، تسقط آخر مظلة أخلاقية كانت تحمي المشروع السياسي من الانهيار الكامل.
والحاصل في النهاية أن ما سُمّي بـ”الحاكمية الشيعية” لم يكن حاكمية بالمعنى السياسي والمؤسسي الحقيقي. كانت في أحسن أحوالها إدارة حصص، وفي أسوأها شهادة زور على نظام يُعيد إنتاج عجزه بنفسه. فلم تُبنَ في عقدين دولة واحدة بمؤسساتها المستقلة ورؤيتها الاستراتيجية وقدرتها على تجاوز الأزمات، بل بُنيت طبقات من التوافقات تعلو بعضها فوق بعض كجدران بلا أساس.
والطريق إلى الخروج من هذا المأزق لا يمر عبر الحنين إلى الماضي ولا عبر الرهان على الخارج، بل يبدأ بلحظة وعي جماعي صادق: أن السلطة بلا دولة وهمٌ مُكلف، وأن عقدين من الزمن كافيان لإثبات أن من يقنع بالشكل يفقد المضمون، ومن يرضى بالواجهة يسلّم المفاتيح لغيره. وأن الخطوة الأولى نحو استعادة الدولة لا تبدأ بانتخابات جديدة ولا ببرامج حكومية، بل تبدأ بمحاسبة حقيقية تُسمّي الأشياء بأسمائها: ما جرى لم يكن حكماً، بل كان إدارة وهم.


