فاتورةُ الحرب تصلُ إلى البيت الأمريكي

فاتورةُ الحرب تصلُ إلى البيت الأمريكي
يصور النص كيف تتحول الحروب إلى أعباء معيشية يومية على المواطن الأمريكي عبر ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والتأمين والتضخم، مؤكداً أن كلفة القرارات العسكرية لا تبقى في ساحات القتال بل تنتقل مباشرة إلى حياة الناس واستقرارهم الاقتصادي...

لم تكن الحرب يوماً مجرد حدثٍ يُشاهد خلف الشاشات، بل هي عملية تُترجم ثمناً مباشراً على حياة الناس، لا في ساحة المعركة وحسب، بل في مطبخهم، وعلى طاولة إفطارهم، وعند محطة الوقود، وفي فاتورة التأمين الصحي التي تصل إلى المواطن الأمريكي كل شهر. منذ أن أطلقت الولايات المتحدة عمليتها العسكرية ضد إيران وسمّتها باسمها الرنان “عملية الغضب الملحمي”، بات المواطن العادي، الذي لا ناقةَ له في هذه الحرب ولا جمل، يدفع فاتورةً لم يُوقّع عليها، ولم يُستشَر يوماً في اتخاذ قرار إطلاقها.

حين يقف المواطن الأمريكي عند محطة الوقود، ويرتقب الأرقام على اللوحة الإلكترونية المضيئة، يدرك في لحظة واحدة أن ثمن القرار العسكري لم يبق في المعسكرات، بل تسلل إلى محفظته. كان الغالون يُشترى بـ 2.98 دولار قبيل اندلاع الحرب مباشرةً، فإذا به اليوم في مايو 2026 يلامس 4.50 دولار، أي أنه يدفع أكثر من دولار ونصف على كل غالون ليس لشراء وقود فحسب، بل لشراء قرارٍ اتُّخذ في مكاتب بعيدة، لا تعرف مساره اليومي إلى العمل ولا طبيعة سيارته. وفي المتجر، حين يمدّ يدَه لطماطمٍ اعتادها حاضرةً على مائدته، يجد سعرها قد قفز قرابة 40 بالمئة مقارنةً بالعام الذي سبق، وحين يبتغي القهوة التي يفتتح بها يومه، يصدمه أن ثمنها ارتفع بأكثر من 18 بالمئة. أما زيت الطعام الذي كان من ثوابت مطبخه، فقد التهمته هذه الموجة التي لا تُفرق بين ضروري ورفاهية. وكأن الحرب قد قررت أن تسلب من المواطن حتى لحظة الهدوء الأولى قبل أن يبدأ يومه.

التضخم الذي بلغ 3.8 بالمئة في أبريل 2026، وهو أعلى مستوى له منذ نحو عامين، ليس مجرد رقم في تقرير اقتصادي تُقرؤه في صفحات الأخبار، بل هو ثقلٌ يومي تشعر به يدُ كل مَن يفتح محفظته في نهاية الشهر ليجد أن ذات المبلغ لم يعد يكفي لما اعتاد أن يشتريه. وقطاع التأمين الصحي الذي كان مسبقاً جرحاً مفتوحاً في الجسد الأمريكي، تضاعفت عليه الأعباء أكثر، في بلدٍ يُفترض أنه يخوض حرباً من أجل “الحرية” و”الأمن”، بينما يعجز الملايين من مواطنيه عن تحمل تكلفة زيارة طبيب بسيط. وربما يكون من أشد المشاهد إيلاماً وأكثرها دلالةً ما يُشاهد في عدد من الأحياء الأمريكية، حين تُفتح أبوابُ البيوت ليس لاستقبال الضيوف، بل لإخراج أصحابها الذين عجزوا عن تسديد أقساط القروض. يفقد الرجل بيته الذي راكم أقساطَه سنةً بعد سنة، وبنى فيه أحلامَه طابقاً فوق آخر، لأن قراراً اتخذ بعيداً عن حيّه وعن حياته قد أشعل ناراً في أسعار كل شيء. وصارت الصورة التي تُرسَم أمام أعيننا – أسرة تقف أمام بيتها المغلق بأمر القضاء، ومعها أثاثُها على الرصيف – مشهداً مألوفاً لا يُثير استغراباً ولا صدمة، وهو ما يُعد حكماً صارخاً على حربٍ لم يُستفتَ فيها الشعب، ولم يُسأل في مصائره.

الحرب نفسها لم تُصب، لكن البيت الأمريكي أُصيب في ماليته وكرامته. والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مواطن على نفسه ليس فقط: “هل ننتصر؟” بل: “من يدفع ثمن هذا الانتصار؟” والجواب المؤلم أنه هو نفسه، كل يوم، عند محطة الوقود، وفي المتجر، وعند مدخل بيته. وتلك هي الحرب الحقيقية؛ حرب ليست فيها طائرات ولا صواريخ، بل أرقامٌ صغيرة على فواتير كبيرة، تُسجَّل على هامش حياة مَن لم يختار الحرب، ولم يُعلنها، ولن يجنِ من نتائجها شيئاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *