لم تعد الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية تقليدية بين دول، بل تبدو اليوم مواجهة أعمق بكثير، تتداخل فيها القوة العسكرية مع الأيديولوجيا، وتختلط فيها الحسابات السياسية بسرديات دينية يجري توظيفها لتبرير مشاريع الهيمنة على المنطقة.
تدخل هذه الحرب يومها العاشر، ومع كل يوم يتكشف وجه أكثر وضوحاً لطبيعة الصراع. فالمسألة لم تعد مجرد تبادل للضربات أو استعراض للقوة، بل صراع على شكل النظام الإقليمي ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.
في قلب هذا المشهد، يتكرر حضور الخطاب التوراتي في خطاب القيادة الإسرائيلية، وعلى رأسها النتن ياهو الذي لا يتردد في استدعاء نصوص دينية قديمة لتفسير السياسات المعاصرة وتبريرها. هذه اللغة ليست مجرد استعارة ثقافية، بل جزء من سردية أيديولوجية تتبناها بعض التيارات الصهيونية التي ترى في التوسع الجغرافي وتحقيق فكرة “إسرائيل الكبرى” امتداداً لنبوءات توراتية يجري توظيفها سياسياً.
ولا يقتصر هذا الخطاب على إسرائيل وحدها، بل يجد صدى قوياً داخل بعض التيارات الدينية والسياسية في الولايات المتحدة، وخصوصاً ضمن ما يعرف بالصهيونية المسيحية التي ترى في توسع إسرائيل تحقيقاً لرؤية لاهوتية تتعلق بمستقبل العالم. وقد انعكس تأثير هذه التيارات في السياسات الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل الإدارة الأمريكية بقيادة ترمب.
إن توظيف النصوص الدينية في السياسة الدولية ليس أمراً جديداً في التاريخ، لكنه يصبح أكثر خطورة حين يتحول إلى أداة لتبرير الحروب وإضفاء طابع مقدس على مشاريع الهيمنة.
وفي مقابل هذا المشهد، تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم في مواجهة عسكرية مباشرة مع هذا المحور. وخلال الأيام العشرة الماضية، أظهرت إيران أنها لم تدخل هذه المواجهة دون استعداد مسبق، بل بنت على مدى سنوات طويلة منظومة ردع عسكرية متطورة.
فمن الصواريخ الباليستية مثل فتاح وخيبر وخرمشهر إلى الطائرات المسيّرة من طراز شاهد وحديد 110 يتضح أن طهران استثمرت بشكل كبير في تطوير قدراتها الدفاعية والهجومية على حد سواء، في إطار استراتيجية تقوم على الردع ومنع فرض الأمر الواقع بالقوة.
لقد جاء الرد الإيراني سريعاً منذ اللحظات الأولى للتصعيد، في إشارة واضحة إلى أن هذه المواجهة لم تكن مفاجئة بالكامل بالنسبة لطهران، بل سيناريو كانت تتوقعه وتستعد له منذ سنوات طويلة.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه هذه المواجهة العسكرية، يظهر العالم العربي في موقع بالغ التعقيد. فالكثير من الحكومات العربية، وخصوصاً في منطقة الخليج، ترتبط بعلاقات وتحالفات مع الولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل قدرتها على اتخاذ مواقف مستقلة محدودة للغاية في ظل المعادلات الدولية القائمة.
أما الشعوب العربية، فتجد نفسها أمام مشهد تاريخي كبير يجري رسمه فوق جغرافية المنطقة، دون أن تمتلك أدوات التأثير المباشر في مساراته.
إن المفارقة التي تفرض نفسها في هذه اللحظة أن المنطقة التي تمتد من المحيط إلى الخليج، بما تملكه من ثروات هائلة وإرث حضاري عميق، تبدو اليوم ساحة صراع تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ، بينما يبقى القرار النهائي غالباً خارج إرادة شعوبها.
ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط ما يجري في السماء من صواريخ وطائرات مسيّرة، بل ما يجري في العقول من روايات وأفكار تحاول تحويل النصوص الدينية إلى أدوات في خدمة السياسة.
فعندما تتحول الأساطير إلى إستراتيجية، وتُستدعى النبوءات لتصبح وقوداً للحروب، يصبح الصراع أكثر تعقيداً وأشد خطورة على استقرار المنطقة والعالم.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد جولة جديدة من التوتر في الشرق الأوسط، بل لحظة تاريخية قد تعيد رسم ملامح ميزان القوى في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.
ويبقى السؤال الأهم معلقاً:
هل ستنجح مشاريع الهيمنة في فرض رؤيتها عبر القوة وتوظيف النصوص الدينية، أم أن المنطقة ستشهد ولادة توازنات جديدة تعيد السياسة إلى منطق المصالح الواقعية، بعيداً عن حروب النبوءات وأساطير التوسع؟


