في مشهد يشبه زلزالًا جيوسياسيًا تتردد تداعيات الضربات التي طالت القواعد الأمريكية في الخليج العربي لتحدث هزات ارتدادية بعيدة المدى لاتمس فقط مستقبل التحالف مع حلف الناتو بل تمتد لتزلزل أسس الردع الأمريكي في قواعد حيوية بألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية . إن الصور المتناقلة لتدمير رادارات متطورة وهروب جنود أمريكيين من منشآت كان يُعتقد أنها حصينة لم تكن مجرد أخبار عابرة بل شكلت نقطة تحول جوهرية في مفهوم “المظلة الأمنية” الأمريكية التي استمرت لعقود. هذه الحوادث كشفت عن هشاشة غير مسبوقة في القدرة على الدفاع عن الأصول العسكرية الأكثر تطورًا مما أثار تساؤلاً مصيرياً في عواصم حليفة من برلين إلى طوكيو: هل يمكن الوثوق حقًا بالتزام واشنطن بالدفاع عنها ضد أخطار روسيا أو الصين أو كوريا الشمالية إذا كانت قواعدها في الخليج عرضة لهذا النوع من الاختراق والانسحاب؟ .
هذه الصدمة تضرب بعمق في نسيج العلاقة مع دول الخليج نفسها التي وجدت نفسها بعد سنوات من الإنفاق الباهظ على التسليح والتحالفات تواجه واقعًا مرًا مفاده أن الوجود العسكري الأمريكي المكلف لم يعد يوفر ورقة ضمان ضد الخطر الإيراني بل على العكس جعلها هدفًا مباشرًا للصواريخ والمسيرات . إن الشعور بالخيانة والاستنزاف حيث أموال النفط تذهب لجيوب شركات السلاح الأمريكية دون مقابل حقيقي على الأرض يدفع النخب الخليجية للتفكير جدياً في خيارات بديلة . لم يعد خيار تحويل الوجهة نحو الشرق نحو قوى صاعدة كالصين وروسيا مجرد فكرة نظرية بل أصبح مخرجًا استراتيجيًا من الكابوس الأمريكي الذي لم يحمِ المنشآت الحيوية السعودية سابقًا أو القطرية حاليًا . لكن التحول لن يكون سهلاً أو أحادي الاتجاه فالبديل الأكثر إغراءً وتعقيدًا يبقى في طهران.
إن المعادلة الخليجية الجديدة تفرض نفسها بقوة إذا كانت الحماية الأمريكية وهمًا والتهديد الإيراني واقعًا ملموسًا فهل يكون الحل الأمثل هو تفكيك شيفرة العلاقة مع طهران ذاتها؟ تبرز فكرة إنشاء علاقات جيدة واتفاقيات عدم اعتداء مع إيران كخيار عقلاني بامتياز فهو يخلص المنطقة من لعبة الاستنزاف ويحول العدو التاريخي إلى جار يمكن احتواء خلافاته عبر الدبلوماسية لا الصواريخ. رفض دول الخليج القاطع للرواية الإيرانية التي تبرر ضرباتها بأنها موجهة فقط ضد المصالح الأمريكية يؤكد عمق الأزمة لكنه في الوقت ذاته قد يكون مقدمة لتفاهمات جديدة تضمن عدم تحول أراضيها إلى ساحة صراع مستقبلاً. في النهاية إن تدمير القواعد الأمريكية لم يدمر منشآت عسكرية فحسب، بل دمر نموذجًا كاملاً للتحالف تاركًا الخليج أمام مفترق طرق: إما السعي نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب أو صياغة تفاهم وجودي مع الجارة الإيرانية في خطوة قد تعيد رسم خريطة المنطقة برمتها .


