مقدمة: العراق في مصیدة جغرافیة ـ اقتصادیة
في خضم التطورات الإقليمية الراهنة، وبالتحديد منذ شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما العسكري الواسع على إيران في ٢٨ شباط ٢٠٢٦، يجد العراق نفسه في موقف فريد بالغ الهشاشة. هذا البلد لا يعاني فقط من مجاورة أطراف النزاع، بل إن البنية الهيكلية لاقتصاده المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بممرات عبور تحولت اليوم إلى ساحات قتال، تجعله يدفع ثمناً باهظاً أكبر من أي فاعل آخر. خلافاً للتصور السائد الذي ينظر إلى العراق كمجرد ساحة لصراعات بالوكالة، فإن الحقيقة الجوهرية تكمن في أن الشريان الحيوي لاقتصاده – أي تصدير النفط عبر مضيق هرمز – أصبح هدفاً غير مرئي ولكن رئيسياً لهذه الحرب. يسعى هذا المقال، من خلال مقاربة تحليلية، إلى استشراف الأبعاد المتعددة لكارثة تهدد الاقتصاد العراقي على مستويات الدخل، والنقد، والمجتمع، والأمن.
البنية الهشة: لماذا يصبح العراق الضحية الاقتصادية الأولى؟
لفهم عمق الكارثة، لا بد من استحضار ثلاث سمات بنيوية للاقتصاد العراقي تجعله الأكثر هشاشة في المنطقة إزاء هذه الحرب. أولاً، إن اعتماد الموازنة العامة بنسبة ٩٠٪ على الإيرادات النفطية يحوِّل الطبيعة الريعية لهذا الاقتصاد إلى تبعية قاتلة. ثانياً، إن تصدير ٩٥٪ من النفط العراقي الخام عبر الخليج ومضيق هرمز يضع شريان الحياة هذا في مرمى النار المباشر. ثالثاً، إن تخصيص أكثر من ٧٥٪ من الموازنة الاتحادية للنفقات الجارية – المتمثلة أساساً في رواتب الموظفين والمتقاعدين والإعانات الاجتماعية – يعني أن أي خلل في الإيرادات النفطية سيؤدي، في غضون أقل من شهر، إلى أزمة اجتماعية وسياسية شاملة.
الصدمة النفطية: انهيار الصادرات وإغلاق الحقول
مع بدء الهجمات وإعلان إيران إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط التابعة للدول الداعمة لأميركا، واجه العراق عملياً توقفاً شبه كامل لصادراته النفطية. تشير التقارير الميدانية إلى أن الصادرات اليومية البالغة ٣.٤ ملايين برميل، والتي كانت تتم بشكل أساسي من المرافئ الجنوبية (البصرة، خور العمية، العمارة)، انخفضت إلى أقل من ٢٠٠ ألف برميل. هذا الرقم لا يشمل حتى الصادرات المحدودة عبر خط كركوك-جيهان إلى تركيا (نحو ٢٥٠ ألف برميل)، والتي توقفت هي الأخرى بسبب انعدام الأمن على الطريق والهجمات المسيرة.
النتيجة المباشرة لهذا الوضع هي تراجع الإيراد اليومي للعراق من نحو ٢٧٢ مليون دولار (بافتراض سعر ٨٠ دولاراً للبرميل) إلى أقل من ٢٠ مليون دولار. عملية حسابية بسيطة تُظهر أن الإيراد الشهري للعراق هوى من حوالي ٨.٢ مليار دولار إلى ٦٠٠ مليون دولار فقط. في المقابل، تبلغ النفقات الجارية الشهرية للحكومة (رواتب بشكل أساسي) حوالي ٨ تريليونات دينار (نحو ٦ مليارات دولار). الفجوة البالغة ٥.٤ مليار دولار في الشهر الأول من الأزمة تضع الحكومة أمام خيارات مستحيلة.
أزمة السيولة والانهيار المحتمل لنظام الدفع
لكن المشكلة تتجاوز العجز في الموازنة. الآلية التي تمول بها الحكومة العراقية نفسها تقوم على بيع البنك المركزي للدولارات النفطية للتجار في “نافذة بيع العملة”، مما يُولِّد الدينار اللازم لتوفير السيولة. مع توقف الصادرات النفطية، لا يوجد دولار للبيع، ومع توقف التجارة بسبب الحرب، لا يوجد طلب على شراء الدولار. هذه الحلقة المفرغة تعني أن الحكومة لن تعجز فقط عن توفير الدولار لدعم احتياطاتها، بل ستعجز أيضاً عن توفير أوراق الدينار النقدية لدفع رواتب الشهر المقبل.
السيناريوهات المطروحة أمام الحكومة تشمل:
– سحب من الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي (المقدرة بنحو ١٠٠ مليار دولار). هذا الخيار قد يغطي احتياجات ٥-٦ أشهر، لكن تبعاته طويلة المدى تتمثل في إضعاف غطاء العملة الوطنية وتقليل قدرة البنك المركزي على إدارة الأزمات المستقبلية.
– إصدار نقود بلا غطاء، وهو ما سيؤدي إلى تضخم مفرط وتكرار تجربة التسعينيات المريرة.
– تخفيض قيمة الدينار لتعويض العجز في الموازنة، مما سيزيد بشكل حاد من التضخم المستورد.
– الاقتراض الداخلي عبر بيع سندات حكومية، مما يعني تحويل موارد من القطاع الخاص المفلس إلى الحكومة.
– دفع جزء من الرواتب نقداً، وتسجيل الباقي كـ”ادخار إجباري”، وهو ما سيثير غضباً شعبياً واسعاً.
أزمة الأمن الغذائي: الجبهة الصامتة
لا تقتصر أبعاد الكارثة على النفط. فالعراق مستورد رئيسي للسلع الأساسية (القمح، الرز، الزيوت النباتية، السكر، المنتجات البروتينية) عبر الموانئ الجنوبية. مع إغلاق مضيق هرمز وعدم استقرار الطرق البحرية، توقفت الواردات الغذائية بشكل شبه كامل. المخزون الاستراتيجي من القمح – الحيوي لإنتاج الخبز المدعوم – يكفي لأربعة أو خمسة أشهر فقط. أسعار المواد الغذائية في الأسواق المحلية ارتفعت خلال الأسبوعين الماضيين بنسبة تتراوح بين ٤٠٪ و٧٠٪. هذا الوضع، خاصة في المناطق الجنوبية المحرومة حيث يعيش قسم كبير من السكان تحت خط الفقر، سيتحول بسرعة إلى استياء اجتماعي واسع النطاق.
الأزمة الأمنية: مواجهة الحرب على جبهتين
يقع العراق في موقع فريد ومأساوي: فهو لا يتأثر بالحرب فحسب، بل يتحول هو نفسه إلى ساحة قتال مباشر. القواعد العسكرية التي تتمركز فيها القوات الأميركية (مثل عين الأسد وحرير)، وكذلك مقار الفصائل القريبة من إيران، تتعرض يومياً لهجمات صاروخية ومسيّرة من الطرفين. هذا الوضع الأمني يقضي على أي إمكانية للنشاط الاقتصادي، ويخنق الاستثمار المحلي والأجنبي. الشركات النفطية الدولية العاملة في الحقول الجنوبية أجلت موظفيها وخفضت الإنتاج إلى الحد الأدنى.
الخلاصة: انهيار أم إعادة تعريف؟
إن الحرب المفروضة على إيران تختبر البنية الهشة للاقتصاد العراقي بأقسى الطرق. على عكس الأزمات السابقة (مثل هجوم داعش عام ٢٠١٤) التي استمرت فيها صادرات النفط على الأقل عبر مسارات بديلة، فإن الأزمة الحالية، بسبب الإغلاق الكامل للممر البحري وتوقف الصادرات، تمثل أشد صدمة اقتصادية في تاريخ العراق.
ثمة سيناريوهان يلوحان في الأفق أمام العراق. الأول، الانهيار التدريجي نتيجة العجز عن دفع الرواتب، وانعدام الأمن الغذائي، وتصاعد السخط، وهو ما قد يؤدي إلى عدم استقرار سياسي واسع وربما تقسيم البلاد. الثاني، تعبئة الإرادة السياسية لإجراء إصلاحات جذرية: تنويع مصادر الدخل، تقليل الاعتماد على النفط، إصلاح نظام الدعم، وإنشاء شبكات تصدير بديلة. لكن تحقيق السيناريو الثاني يتطلب وقتاً واستقراراً وإرادة غير متوفرة في ظل ظروف الحرب.
ما هو مؤكد، أن العراق اليوم يدفع ثمناً باهظاً لحرب لا يشارك فيها ولا يملك القدرة على التأثير في مسارها. وإلى أن يتم إيجاد حل دبلوماسي للأزمة الإقليمية، يبقى مستقبل العراق الاقتصادي والاجتماعي غارقاً في غياهب الضباب.


