حين تُـقرأُ صفحات التاريخ العراقي الحديث بإنصاف ووعي تتكشف أمام الأجيال حقائق دامغة لا يمكن طمسها أو القفز فوقها.
فمنذ عقود طويلة لم يكن العراق بمنأى عن مشاريع الهيمنة والاستهداف التي قادتها أمريكا ومعها الكيان الصهيوني الإرهابي عبر أدوات متعددة وأساليب متغيرة لكنها اشتركت جميعاً في غاية واحدة:
إبقاء العراق كما هو اليوم ضعيفاً جداً، ممزقاً، وفاقداً لقراره وسيادته.
لقد كان الطاغية المقبور صدام واحداً من أبرز الأدوات التي استُـخدمت من قبل أمريكا والصهاينة الإرهابيين لضرب الشعب العراقي وقمعه.
فالدعم السياسي والعسكري والاستخباري الذي حظي به من أمريكا والكيان الصهيوني الإرهابي خلال مراحل عديدة مكّـنه من سفك دماء الأبرياء في عموم العراق وملاحقة المؤمنين من مختلف الديانات والمذاهب وخنق الحريات بشكل عام وارتكاب الجرائم البشعة بحق أبناء العراق جميعاً لا سيما أتباع أهل بيت العصمة والطهارة “عليهم السلام” الذين كانوا في مقدمة المستهدفين بالتنكيل والقتل والتهجير.
ثم ما لبثت أمريكا أن دخلت العراق باحتلال مباشر رافعة شعارات:
“الحرية والديمقراطية”
لكنها عملياً صنعت واقعاً هشاً، قائماً على الفوضى والانقسام، وأبقت القرار العراقي مرتهناً لإرادتها ومصالحها. فلم يُـسمح للعراق أن ينهض مستقلاً مكتفياً بقدراته ووُضعت أمامه العراقيل كلما حاول بناء قوته الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية.
ولم يكن الإرهاب الذي اجتاح العراق ولا الفتن الطائفية التي أحرقت المدن والقلوب بعيداً عن مخططات امريكا والصهاينة الإرهابية التي عملت بشكل واضح على تمزيق المجتمع العراقي وإضعاف وحدته.
هجوم زمرة داعش الإرهابية وما سبقها وما تلاها كشف حجم التلاعب الأمريكي الصهيوني بمصير الشعب العراقي والسعي الدائم للفتك به بطرق مختلفة.
ولا يصدقن اي عراقي حر بحديث بعض طبقتنا السياسية “الرومانسي” عن القوة والسيادة والسلام والرفاهية والتقدم، كل ذلك إنشاء سمج يكتبه طالب فاشل ..ومن هنا فإن السؤال الأساسي الذي ينبغي أن يُطرح عراقياً بشجاعة وواقعية هو: هل تمثل أمريكا والكيان الصهيوني الإرهابي عدواً لنا؟
هذ السؤال ليس سؤالاً عاطفياً أو انفعالياً، هو سؤال يرتبط بقراءة الوقائع وفهم التجارب المريرة التي عاشها العراقيون عبر عقود من الزمن. ولنجيب عن هذا السؤال بشجاعة وصدق.
ولي في معرض الإجابة عن هذا السؤال أن أتحدث عن قضية جوهرية تتعلق بإختيار القيادات الوطنية التي تُـحقق إنجازاً حقيقياً يضع مصلحة العراق والمنطقة فوق كل المصالح الأخرى خصوصاً المصالح الشخصية.
لقد أدركت قوى المقاومة “الحقيقية” أن المشروع الأمريكي الصهيوني الإرهابي لا يريد لهذه الأمة أن تكون قوية حرة مستقلة ولذلك كان من الطبيعي أن تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحور المقاومة بوجه هذا المشروع وأن تختار لنفسها قيادات: مؤمنة، واعية، وشجاعة.
وأن تضع رؤى وأفكار الإمام الشهيد السيد علي الخامنئي “رضوان الله عليه” نصب أعينها وهو الذي أصبح رمزاً عالمياً لمواجهة الهيمنة والاستكبار .. ولأُذكر إن من أسباب التفاف الأحرار حول هذه الشخصية القيادية الفذة هو: وضوح موقفها وثباتها في مواجهة أمريكا والكيان الصهيوني الإرهابي.
حتى باتت عداوة واشنطن لهذه المدرسة الإسلامية العظيمة دليلاً على أصالتها وتمسكها بخيار الاستقلال والكرامة. لقد علمتنا مدرسة الإمام الخميني والإمام الخامنئي “رضوان الله عليهما” أن معيار الحق ليس تصفيق امريكا والكيان الصهيوني.
معيار الحق هو الموقف الحقيقي من قضايا الأمة ..
وحين ترضى أمريكا عن مشروع ما فغالباً ما يكون منسجماً مع مصالحها وهو بالضرورة بالضد من مصالح الآخرين وحين تحارب مشروعاً أو شخصية أو تياراً فهذا يكشف مقدار ما يشكله ذلك المشروع من خطر على نفوذها وهيمنتها وتعديها على حقوق الآخرين. ولهذا قالت مدرسة المقاومة: اذهبوا حيث لا تريد أمريكا وابتعدوا عمّـن تصفق له أمريكا.
إنها أمة المقاومة
الأمة التي تؤمن بأن: الحرية لا تُـمنح و إنما تُـنتزع، والكرامة لا تُـستجدى وإنما تُـصان بالتضحية والثبات وأن الشعوب الحية لا يمكن أن تخضع مهما اشتدت المؤامرات وتعاظمت التحديات. ومَـن يُـريد أن يفهم فالطريق أوضح من شمس تموز ساعة ١٢ بعد الظهر في قلب مدينة البصرة.


