مر العراق بطريقة ممنهجة خلال السنوات الماضية بسلسلة من الأزمات الاقتصادية، السياسية، والأمنية التي جعلت المواطن يفقد ثقته بمعظم الطبقة الحاكمة حتى بات العراقي ينظر إلى كل حديث عن الإصلاح، السيادة، والوطنية بعين الشك والحذر.
ومن بين أخطر ما كان يُـخشى منه استمرار النهج ذاته عبر ولاية ثانية للسيد محمد شياع السوداني وهي ولاية نرى فيها امتداداً لمسار يقود العراق إلى مزيد من الانهيار واستنزاف الدولة لولا أن الظروف السياسية حالت دون ذلك ولله الحمد. لكن الحقيقة الأكثر ألماً أن العراق وإن نجا من هذا السيناريو “الأسود” فإنه لم ينج من أصل الداء نفسه!
داء الفساد، وداء التضليل وقد تغلغلا في مؤسسات الدولة حتى أصبحت ثروات العراقيين وقوتهم وأحلامهم مادة يتغذى عليها بعض طبقة سياسية نبتت لحومها من المال العام “الحرام” واستمدت بقاءها من دعم خارجي أمريكي وغربي يُـقدَّم أحياناً بشكل علني وأحياناً أخرى خلف الأبواب المغلقة -وقد آمنت بعض هذه القوى بأن وجودها السياسي لن يكون إلا بعلاقات قوية مع امريكا فعملت على تأسيسها بكل ما لديها من إمكانات- ولهذا فإن البلاء ما زال مستمراً لأن المشكلة لم تكن في شخص السيد السوداني فقط بقدر ما كانت في منظومة كاملة أتقنت إعادة إنتاج نفسها مهما تغيّـرت الوجوه والعناوين معتمدة على عاملي:
- الفساد
- التضليل
ولنتحدث قليلاً عن السيادة -حديث ممتد من وجود الفساد والتضليل- وهي من أكثر الملفات التي تثير السخرية في المشهد العراقي ..
السيادة بقواعد تركية تخترق العمق العراقي وبإختراقات امريكية وصهيونية للأجواء العراقية لضرب إيران التي يدعي البعض -كذباً- بأنه يُـساندها، وهناك أخبار عن قواعد صهيونية في بادية النجف الأشرف!
والسيادة بأموال النفط العراقي التي تودع في بنوگ أمريكية وتُـمنح للعراقيين كهبات مشروطة مهددة بالتوقف حسب المزاج الأمريكي!
لكن بعض القوى السياسية الموجودة في الحكم تحديداً لا تتوقف عن إطلاق الخطب الرنانة حول الكرامة الوطنية، ورفض التدخل الخارجي، والـ “عزة بخشوم الرجال”. لكنها في الواقع لا تُـبرم اتفاقاً ولا تتخذ قراراً مصيرياً ولا تتحرك خطوة واحدة إلا بعد الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي تحديداً!
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كيف لمَـن ينتظر الإذن من أمريكا أن يقنع الناس بأنه حارس السيادة؟
أي سيادة تلك! والمشكلة ليست فقط في هذا التناقض، المشكلة الأكبر في حالة الوهم الجماعي التي يحاول البعض صناعتها. فهناك مَـن يكذب الكذبة وهو يعلم يقيناً أنها كذبة ثم يكررها حتى يصدقها هو نفسه وبعد ذلك يطالب الناس بتصديقها أيضاً! وعدم تصديق هذه الأكاذيب الجوفاء خيانة للدين وللعراق!
هكذا بهذه الطريقة تتحول الأكاذيب السياسية إلى شعارات تملأ أفواه السياسيين والمحللين “الأُجراء” وتُـدوّر في عملية تضليل واسعة فيما يبقى المواطن وحده يدفع الثمن من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه.
وفي خضم هذا كله يبرز مشهد آخر يتمثل في محاولات البعض كسر السيد نوري المالكي سياسياً وإعلامياً ليس عبر المنافسة الحقيقية أو تقديم مشروع أفضل وإنما كسره عبر حملات تستند أحياناً إلى:
- التطويق قدر المستطاع
- التشويه بأساليب رخيصة
- والتحريض بجبن وخبث
هي الرغبة الدنيئة في إسقاط الخصم بأي وسيلة وإن كانت النتائج كارثية على الجميع.
وهنا يمكن تشبيه هؤلاء بالطالب الكسول الذي يفشل في دراسته لكنه بدلاً من مراجعة أسباب كسله ورسوبه ينشغل بمحاربة الطالب الناجح ومحاولة إسقاطه حتى لا يظهر تفوقه أمام الآخرين!
إن الدول لا تُـبنى بالكراهية السياسية ولا بتزييف الوعي ولا بالشعارات الفارغة. الدول تُـبنى بالمصارحة الشجاعة، والإصلاح الحقيقي، والاستقلال الفعلي في القرار الوطني.
وما لم يدرك العراقيون أن معركتهم الأساسية هي ضد الهيمنة الأمريكية بكل أشكالها، الفساد “بكل أشكاله”، والنفاق السياسي والصبيانية السياسية. فإن الوجوه ستتغير لكن الأزمة ستبقى كما هي وربما تصبح أكثر تعقيداً وخطورة مع مرور الوقت.


