في الداخل العراقي، لم تعد الأزمة أزمة خصوم أو أعداء، بل أزمة خطاب يُدار بمعزل عن الواقع، وشعارات تُرفع في بلد يعيش تحت ضغط معيشي خانق. المشكلة لم تعد في كثرة الشعارات، بل في انفصالها التام عن حياة الناس، وفيمن يطلقها وهم أنفسهم غارقون في مراجعات مأزومة، سياسية وأخلاقية، يحاولون الهروب منها عبر التصعيد اللفظي.
جرى التعامل مع الشعار بوصفه أداة إدارة للمعركة، لا وسيلة تعبئة واعية. نُفخت الذات الجماعية إلى حدّ التورم، وصُوِّرت المواجهة وكأنها فعل إرادي عام، بينما الحقيقة أن المجتمع العراقي مُنهك، متعب، ومثقل بخيبات متراكمة. لا يمكن الحديث عن استعداد للتضحية في بلد لم تُصن أمواله، ولم تُؤتمن ثرواته، وسُرقت موارده أمام أعين الناس.
التناقض الصارخ بين خطاب “التضحية” وواقع الفساد والهدر وانعدام العدالة لم يعد خافيًا. هذا التناقض كشف خللًا أعمق: غياب الولاء للقيم قبل غياب الالتزام بالعقيدة. فالقيم التي لا تنتج عدلًا، ولا تحمي المال العام، ولا تصون كرامة الناس، تتحول إلى شعارات استعمالية تُستدعى عند الحاجة وتُهمل عند المحاسبة.
الخطاب الذي يُبشّر بالمواجهة والجنة أولًا، بينما المواطن يواجه العوز والبطالة وانقطاع الخدمات، خطاب فقد شرعيته الاجتماعية. التصريحات المستفزة التي تُقلّل من فقر العراقيين، أو تُقدّم مظاهر استهلاكية سطحية بوصفها دليل رفاه، لا تعكس سوى قطيعة كاملة مع الشارع. الشارع العراقي لا يُخدع بالشعارات، بل يحاكمها بالتجربة، وتجربته كانت قاسية وواضحة.
في هذا الواقع، لا يمكن إقناع الناس بالموت من أجل منظومة لم تحمهم وهم أحياء. لا أحد مستعد للتضحية دفاعًا عن طبقة سياسية راكمت الامتيازات، وعاشت الفخفخة، ثم طالبت الفقراء بالصبر والدم. حتى داخل البيئات القريبة من مطلقي هذه الشعارات، لا يظهر نموذج يُحتذى به في الزهد أو تحمّل الكلفة، ما يجعل الخطاب فاقدًا لأي صدقية أخلاقية.
من أراد أن يختار مصيره بنفسه، فذلك شأنه الشخصي، لكن لا يملك حقًّا أخلاقيًا ولا وطنيًا في دفع مجتمع كامل نحو المجهول، تحت شعارات يطلقها أشخاص هم أنفسهم واقعون تحت المراجعة. فالشعار الذي لا يمر عبر محاسبة الذات، ولا يسبقه إصلاح حقيقي، يتحول إلى عبء إضافي على بلد منهك أصلًا.
العراق لا يحتاج مزيدًا من الضجيج، بل يحتاج صدقًا سياسيًا، وشجاعة في الاعتراف بالفشل، وإعادة ربط الخطاب بالواقع. دون ذلك، ستبقى الشعارات محلّقة فوق واقعٍ يهبط يومًا بعد آخر… إلى ما دون الصفر.


