تشهد الساحة السياسية العراقية نقاشًا حاداً حول عودة السيد نوري كامل المالكي لرئاسة الحكومة لولاية ثالثة في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة واستمرار تأثير الإرث السياسي الثقيل هذه العودة لا تُقرأ بمعزل عن تاريخ الرجل وحصيلة سنوات حكمه الثماني السابقة ولا عن التحالفات العميقة والخلافات الحادة التي تميز المشهد العراقي الحالي. تبرز عودة المالكي من داخل تحالف ،،الإطار التنسيقي،، المهيمن كبديل عن رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني في إطار صفقات وتوازنات داخلية معقدة سعت لتقديم شخصية توصف بالقوية وذات الخبرة لقيادة مرحلة جديدة. غير أن هذا الترشيح يفتح على الفور صفحات من تاريخ سياسي مثير للجدل كان ابرزها فشل الجيش في الصمود امام هجوم داااعش على الموصل عام 2014 الذي يبقى محطه سوداء في سجل حكمه تُذكر به الاصوات المعارضه لحكمة .تشكل عودة نوري المالكي إلى واجهة المشهد السياسي العراقي سؤالاً مصيرياً في زمن تحولات إقليمية ودولية بالغة التعقيد. فالمالكي الذي قاد العراق في واحدة من أعقد فتراته بين 2006 و2014 يعود اليوم وسط ظروف مختلفة تشبه سابقتها في التحدي وتختلف عنها في طبيعة المعطيات. إنها عودة تطرح أسئلة عميقة حول قدرة التجربة السابقة على قراءة المرحلة الجديدة وإمكانية تحول الشخصية السياسية بتحول الظروف.
لقد حكم المالكي العراق بيد حازمة في زمن الفوضى والعنف الطائفي مركزاً السلطة في مواجهة إرهاب ،،القاعدة،،وتفكك الدولة. كان رجلاً للظروف الاستثنائية بنى تحالفاته وأدار معاركه بمنطق البقاء والسيطرة. لكن تلك المرحلة تركت إرثاً من الانقسام السياسي وضعف المؤسسات مما يجعل عودته اليوم محفوفة بالأسئلة: هل يعيد إنتاج نموذج الحكم المركزي القوي في زمن أصبحت فيه القوى متشابكة بين داخلية وخارجية؟ أم أن سنوات الغياب عن مركز القرار المباشر منحته دروساً في فنون إدارة التوافقات المستحيلة؟
العراق اليوم أمام معادلة ثلاثية الأبعاد: أمنية هشة بتهديدات داعش المتناثر والخلافات مع إقليم كردستان واقتصادية وماليه منهكة بالفساد والبطالة والخدمات المتداعية وسياسية ملتهبة بضغوط إقليمية بين محور إيران ومطالب أميركية تتجسد في مبعوثها مارك سفايا. في هذه البيئة لا تكون عودة المالكي مجرد استعادة لشخص بل اختيار لخارطة طريق :أهي عودة إلى سياسات المواجهة والمركزية، أم انطلاق نحو نموذج أكثر مرونة في الحكم وأكثر انفتاحاً في التحالفات؟
الأهم من ذلك كله أن الشارع العراقي لم يعد ذلك الشارع الذي قبل بـالبدائل الصعبة. فثورة تشرين وما تلاها من احتجاجات رسمت وعياً جديداً برفض الطبقة السياسية التقليدية وتمسكاً بالخدمات والعدالة. أي ان عودة المالكي يجب أن تحمل أجندة مختلفة ترى في مطالب الشارع محوراً وليس هامشاً. إن التحدي الحقيقي ليس في إعادة إنتاج تجربة الماضي بل في كتابة مستقبل مختلف بمرجعية الماضي وخبرته لا بسلبياته وأخطائه فعراق اليوم ليس عراق الأمس والمالكي الجديد الذي عاد لن يكون المالكي القديم إلا إذا اختار أن يبقى أسير نهجه السابق عاجزاً عن التحول من جزء من المشكلة إلى جزء من الحل.


