تتجه الساحة السياسية الشيعية في العراق نحو تحوّلات حاسمة مع اقتراب الانتخابات التشريعية القادمة نهاية عام 2025، ويبرز في قلب هذا المشهد تساؤلات مهمة:
-هل وصل نفوذ القوى الشيعية التقليدية إلى مرحلة التراجع البنيوي؟
-وما الذي تطرحه التحولات الداخلية والإقليمية من تحديات أمام هذه القوى التي حكمت العراق منذ 2003؟
– هل تستطيع هذه القوى ان تتأقلم مع هذا الواقع الجديد ام ان مجاديفها ستتكسر وهي تحاول السير عكس التيار؟
تعتبر قوى (حزب الدعوة الإسلامية – جناح نوري المالكي، منظمة بدر، عصائب أهل الحق، تيار الحكمة الوطني، المجلس الأعلى الإسلامي)، هي القوى الشيعية الأبرز في العراق والتي تحالفت تحت مظلة “الإطار التنسيقي الشيعي” وهو تكرار لتحالفات سابقة بين هذه القوى التي تسيطر على مقاليد السلطة في العراق منذ 2003، وهم “اللاعبون التقليديون” في الساحة الشيعية.
ورغم ان هذه القوى كانت ولا زالت تمثل، امتدادا للمرجعية الدينية الشيعية بشكل عام وتمثل أيضا التوجه السياسي الإسلامي في العراق، لكنها باتت اليوم متهمة بالفساد والتكلّس السياسي مما يجعلها عرضة للتفكك الداخلي.
حيث يرى الكثير من المراقبين ان احتمال نهاية حقبة هذه القوى كبير جدا، بسبب تفكك الإطار التنسيقي، وصعود شخصيات سياسية محلية جديدة، وتبدّل المزاج الشعبي داخل المجتمع الشيعي.
ويمكن تلخيص عوامل تفكك القوى التقليدية بعدة نقاط:
1- الصراعات الداخلية على الزعامة والنفوذ: غياب قيادة موحدة وصراعات داخلية، أبرزها الصراع الازلي بين جناح المالكي وبقية أطراف الإطار.
2- تآكل القاعدة الشعبية: بعد سنوات من الفساد وسوء الإدارة، تقلّصت المساحة الجماهيرية الداعمة لهذه الأحزاب، خصوصا بين فئة الشباب.
3- صعود التيارات المستقلة والمحلية: مثل تيار رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وتيارات المحافظون مثل أسعد العيداني وغيره، الذين باتوا يمثلون بديلا سياسيا أكثر واقعية وفعالية.
4- مقاطعة التيار الصدري: غياب الصدر عن الانتخابات قد يعيد توزيع النفوذ الشيعي بعيدا عن الصيغة التقليدية، لكنه أيضا يعمّق هشاشة “الإطار”.
ملاحظة:
ان التأكيد على ذكر القوى الصاعدة في البيئة الشيعية يأتي بسبب طرحها كقوى شيعية بديلة، تحمل طابعا محليا وخدميا بدل الطابع الحزبي العقائدي!
كالقائمة الانتخابية المتوقعة لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، والتي تحظى بدعم شعبي كبير بسبب الترويج الإعلامي الممنهج حول الأداء التنفيذي والإداري لحكومته.
وقائمة “تصميم” في البصرة بقيادة أسعد العيداني، التي حققت فوزا ساحقا في الانتخابات المحلية، ومتوقع أن تتمدد شعبيتها وطنيا.
وقوائم محلية في كربلاء وواسط بقيادة المحافظين الذين يملكون حضورا جماهيريا فاعلا، فهذه القوى ينظر إليها اليوم كقوى بديلة للقوى التقليدية.
جميع المؤشرات السياسية والشعبية تشير إلى أن الانتخابات المقبلة قد تمثل نقطة اللاعودة بالنسبة للقوى الشيعية التقليدية!
إذ سيكون من الصعب عليها استعادة نفوذها القديم دون تحولات جذرية في خطابها، وهياكلها، وشخصياتها القيادية.
ان العراقيين، وخصوصا في الوسط الشيعي، يتجهون شيئا فشيئا نحو الواقعية السياسية بدل الخطاب العقائدي الديني، وهو ما يعني بالضرورة انكشاف ضعف واضمحلال هذه القوى التي لم تواكب هذا التحول.
كما لابد من الإشارة الى ان الجمهورية الإسلامي في إيران والتي دعمت القوى التقليدية الشيعية على مدار عقود، لابد ان تقوم اليوم بمراجعة سياسية حقيقية للوضع في العراق.
فهل ستستمر في دعم هذه القوى المتراجعة؟
أم انها ستعيد النظر في تموضعها السياسي وتبحث عن تحالفات أكثر براغماتية مع قوى محلية جديدة، ربما أقل ارتباطا بها؟
ان رهان إيران على قوى “الإطار” وحدها اليوم يبدو خاسرا في ظل متغيرات المزاج الشيعي العراقي.
أخيرا
يجب التأكيد على ان القوى الشيعية التقليدية في العراق تقف اليوم أمام مفترق طرق:
فإما أن تتجدد بعمق وتراجع حساباتها، أو تترك المجال لقوى جديدة تعبّر عن التغيير الفعلي في الشارع الشيعي العراقي.
فالانتخابات القادمة لن تكون مجرد سباق انتخابي، بل اختبار لمدى صلاحية هذه القوى للبقاء في مشهد سياسي متغير.


