ملاحظة منهجية: تعتمد هذه الورقة على تقديرات عامة ومقارنات دولية، وتهدف إلى تناول الإطار السياسي والاقتصادي للمسألة، لا التفاصيل الهندسية التي تستلزم دراسات جدوى متخصصة لكل موقع على حدة.
-
مفارقة الثروة والعجز
يقف العراق أمام مفارقة واضحة وغريبة، حيث انه يعتبر أحد أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم، لكنه لا يزال يعاني من أزمة كهرباء وطاقة مزمنة تكلّف اقتصاده مليارات الدولارات سنويا وتقيّد حياة مواطنيه.
وفي الوقت الذي تشهد فيه دول المنطقة والعالم تسارعا ملحوظا نحو مصادر الطاقة المتجددة، يبقى العراق بعيدا عن هذا المسار، رغم امتلاكه إمكانيات طبيعية استثنائية تجعله مرشحا مثاليا للاستفادة من تقنيات الطاقة الشمسية العائمة.
وهنا لن نتناول الجدل الفني حول هذه التقنية، بل سنطرح سؤالا سياسيا واقتصاديا أكثر أهمية وهو:
لماذا لا يستثمر العراق في هذه الفرصة رغم توافر الإمكانيات، وما البنى السياسية والاقتصادية التي تعيق هذا التحول؟
-
الإمكانية الكامنة
يمتلك العراق مسطحات مائية تتجاوز مساحتها الإجمالية 4700 كيلومتر مربع، تضم بحيرات كبرى كالثرثار والرزازة وبحيرة سد الموصل وبحيرة سد دوكان وغيرها كثير.
تقدير كمي مبسط:
في تقديرات المناطق ذات الإشعاع الشمسي المرتفع، قد تصل إنتاجية الألواح الشمسية العائمة إلى ما بين 150 و200 جيجاواط/ساعة سنويا لكل كيلومتر مربع مغطى – وهو مدى مستند إلى أدبيات الطاقة الشمسية العائمة في المناطق المناخية المشابهة.
وإذا أخذنا بحيرة دوكان نموذجا والتي تبلغ مساحتها 270 كيلومترا مربعا عند الامتلاء الكامل فإن تغطية 10% منها، أي 27 كيلومترا مربعا، قد تولّد ما بين 4 و5.4 تيرا واط/ساعة سنويا (4000–5400 جيجاواط/ساعة).
وهناك ثمة تمييز ضروري هنا، وهو ان العجز الكهربائي يقاس بالقدرة اللحظية بوحدة الجيجاواط، أي الطاقة المطلوبة في لحظة بعينها.
أما الإنتاج السنوي فيقاس بالطاقة التراكمية بوحدة التيرا واط/ساعة، والربط بين الاثنين يستلزم افتراضات حول ساعات التشغيل الفعلية.
وبأخذ هذا التمييز بعين الاعتبار، فإن ما قد يولّده مشروع دوكان التجريبي يكفي لتغطية نسبة معتبرة من الاحتياجات الكهربائية لمدينة متوسطة الحجم – وهو حجم لا يحل العجز الوطني المقدَر بنحو 10 آلاف ميجاواط وفق تقييم وكالة الطاقة الدولية حتى عام 2030، لكنه يثبت الجدوى ويمهّد لمراحل أوسع.
وتتجاوز أهمية تقنية الألواح الشمسية العائمة توليد الكهرباء، لأنها ستقلل – وفق تجارب ميدانية موثقة في عدد من الدراسات – تبخر المياه من المسطحات بنسب تتراوح بين 20% و30%، وهو عامل بالغ الأهمية في بلد يعاني من شح مائي متصاعد.
ويزيد من جاذبية هذا الخيار أن العراق يمتلك ميزة مهمة جدا وهي امتلاكه بنية تحتية للنقل الكهربائي مرتبطة أصلا بمحطات كهرومائية في سدود الموصل وحديثة ودوكان، مما يخفّض التكلفة الإجمالية لهكذا مشروع بدرجة ملحوظة.
-
تجارب دولية مثبتة
ولتقييم واقعية هذه الإمكانية، من المفيد النظر إلى تجارب دولية سبقت العراق في هذا المجال.
ففي الهند، أطلقت ولاية كيرالا مشروع بانسورا ساغار بطاقة 500 كيلوواط على خزان السد في ديسمبر 2017 – وكان الأول من نوعه في الهند – وأثبت المشروع في تشغيله الفعلي إنتاجاً يبلغ نحو 700 ألف كيلوواط/ساعة سنويا، مع تقليل ملموس في التبخر عن سطح الخزان.
ثم توسعت الهند لاحقا لتشغّل مشاريع تجاوزت 100 ميجاواط، وهذه التجربة الهندية مفيدة تحديدا لأن بيئتها المناخية وتحدياتها التشغيلية أقرب إلى الواقع العراقي مقارنة بنماذج أوروبية أو شرق آسيوية.
-
لماذا لم يتحرك العراق؟
1-هيمنة عقلية النفط على صناعة القرار
بنت الدولة العراقية نموذجها الاقتصادي على الريع النفطي، وهو ما أنتج منظومة من المصالح السياسية والاقتصادية ترى في أي تحول طاقوي تهديدا لامتيازاتها لا فرصة للتنمية.
ويتجلى ذلك في نمط الإنفاق الحكومي، إذ ينفق العراق مليارات الدولارات سنويا على وقود المحطات الحرارية – بما فيها حرق النفط الخام مباشرة في محطات الكهرباء بمعدل نحو 200 ألف برميل يوميا في 2023 نتيجة شح الغاز – في حين لم يفعل حتى الآن إطار جاد للانتقال نحو مصادر أقل كلفة.
كما ان القرار في قطاع الطاقة لا يتخذ غالبا وفق معايير الكفاءة الاقتصادية، بل وفق موازين النفوذ السياسي المرتبطة بتلك العقود!
2-التبعية الطاقوية
التبعية الطاقوية التي يعيشها العراق ليست في مجملها حصيلة عجز تقني أو شح في الموارد.
فقد تراجعت الصادرات الكهربائية الخارجية إلى العراق من 7.4 تيرا واط/ساعة سنويا إلى 3.1 تيرا واط/ساعة في 2023 بسبب أزمات الإمداد وتراكم الديون، وفي صيف 2024 جرى تقليص هذه الإمدادات إلى 500 ميجاواط فقط مما أسفر عن انهيار الكهرباء في مناطق واسعة.
والمفارقة اللافتة أن العراق يحرق نحو 18 مليار متر مكعب من الغاز المصاحب سنويا – أي ما يزيد على 11% من إجمالي الغاز المحروق عالميا – بينما يعاني قطاع الكهرباء من شح الغاز اللازم لتشغيل محطاته.
وهذا التناقض البنيوي يكشف عن خلل في الأولويات ترسّخه شبكة مصالح متجذرة بعمق.
3-ضعف الكفاءة المؤسسية في وزارة الكهرباء
أولا: ضعف التخطيط طويل الأمد، حيث تعمل الوزارة وفق منطق إدارة الأزمات الآنية لا وفق رؤية استراتيجية ممتدة.
وعلى الرغم من أن العراق يستهدف إضافة 12 جيجاواط من الطاقة المتجددة بحلول 2030 ضمن مساهمته الوطنية في اتفاقية باريس، فإن هذه الأهداف تفتقر إلى جداول زمنية ملزمة ومؤشرات قابلة للقياس، مما يجعلها أقرب إلى استعراض سياسي منها إلى برنامج تنفيذي.
ثانيا: غياب وحدات مؤسسية متخصصة بالطاقة المتجددة، فوزارة الكهرباء العراقية لا تمتلك وحدة تقنية متخصصة تتولى تقييم مشاريع الطاقة المتجددة والتفاوض مع المستثمرين الدوليين وإدارة دورة مشاريعها.
وهذا الغياب يعني أن أي مقترح – مهما كانت جدواه – يجد نفسه في مواجهة بيروقراطية غير مهيأة للتعامل معه، فيتعثر لا بسبب رفضه بل بسبب غياب الجهة القادرة على تبنّيه.
4-غياب الإطار التنظيمي والقانوني
العراق لا يمتلك منظومة تشريعية واضحة تنظّم الاستثمار في الطاقة المتجددة وتحدد آليات التعاقد وشراء الطاقة وضمانات المستثمر.
وقد رصد صندوق النقد الدولي في تقييمه لقطاع الكهرباء العراقي عام 2023 أن التكاليف التشغيلية الصريحة للقطاع تفوق إيراداته بعشرة أضعاف أو أكثر، مما يعكس عمق الخلل البنيوي الذي يجعل استقطاب الاستثمار الخاص أمرا عسيرا في غياب إصلاح تشريعي حقيقي.
-
نموذج قابل للتطبيق
إذا كان الطموح بمشروع وطني شامل يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة، فإن البديل المنطقي هو مشروع تجريبي محدود يثبت الجدوى ويكسر الجمود.
ويبدو ان بحيرة دوكان ربما تكون الموقع الأنسب لهكذا مشروع لأسباب موضوعية هي:
– استقرار نسبي في منسوب مياهها مقارنة ببحيرات أخرى.
– وجود محطة كهرومائية متصلة بالشبكة الوطنية بطاقة 400 ميجاواط.
– بيئة الاستثمار في الإقليم تتسم بمرونة أكبر.
والمقترح أن يتراوح حجم المشروع التجريبي بين 50 و100 ميجاواط – وهو حجم كاف لاختبار التقنية في البيئة العراقية وتوليد بيانات تشغيلية موثوقة، دون أن يشكّل مجازفة مالية كبرى.
وينصح باعتماد نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بحيث تتولى شركة دولية متخصصة تمويل المشروع وتشغيله مقابل عقد شراء طاقة طويل الأمد بسعر ثابت وشفاف.
ورغم محدودية هذا الحجم قياسا بالعجز الوطني، فإنه يمثل خطوة تأسيسية قابلة للتوسع على بقية المسطحات المائية – من الرزازة إلى الثرثار – وفق خارطة طريق واضحة المراحل.
-
اخيرا
في عالم يتسارع نحو تحول طاقوي لا رجعة فيه، يقف العراق عند مفترق طرق حقيقي، لان مجرد امتلاك النفط لم يعد ضمانا للأمن الطاقوي الداخلي، كما أن الاعتماد على مصادر خارجية لتأمين الكهرباء يشكّل هشاشة استراتيجية تتجاوز الأبعاد الاقتصادية لتمس السيادة الوطنية ذاتها.
كما ان الطاقة الشمسية العائمة ليست حلا سحريا، وهي تنطوي على تحديات تقنية ومالية حقيقية تستلزم دراسات جدوى دقيقة، لكنها تمثل فرصة نادرة لبلد يجمع بين وفرة الشمس ووفرة المياه وحاجة ماسة لتنويع مصادر الطاقة.
والحاجز الحقيقي أمامها ليس تقنيا ولا ماليا، بل هو مزيج من الجمود المؤسسي وضعف الإطار التنظيمي وهيمنة مصالح راسخة تستفيد من استمرار الوضع القائم.
فالمشكلة في العراق لم تعد نقصا في الحلول، بل فائضا في فرص غير مستثمرة.
والسؤال الذي يطرح نفسه على صانع القرار:
ليس، هل هذا المشروع ممكن؟
بل، هل نحن مستعدون فعلا لأن نختار الاستقلالية الطاقوية؟
المصادر:
– موسوعة ويكيبيديا، مقالة “الطاقة الشمسية العائمة”، 2024. مجلة تقنيات البيئة النظيفة والسياسات البيئية، دار نشر سبرينغر، 2024.
-موسوعة ويكيبيديا، مقالتا “بحيرة دوكان” و”سد دوكان”. مجلة النشر العلمي للبحوث، 2016.
-وكالة معلومات الطاقة الأمريكية، الموجز التحليلي لدولة العراق، يوليو 2025. وكالة الطاقة الدولية، تقييم قطاع الطاقة في العراق.
– شركة ريجن باور، دراسة الحالة الرسمية لمشروع بانسورا ساغار، 2017. شبكة الصحافة البيئية، مارس 2023.
-البنك الدولي، تقرير المتتبع العالمي لحرق الغاز، يونيو 2024. معهد بيكر للسياسات العامة، جامعة رايس، يونيو 2025. موقع رووداو الإخباري، يونيو 2024.
-صندوق النقد الدولي، تقارير الدول — العراق، 2023.
– دراسة إضافية: مجلة الطاقة المتجددة والمستدامة، نماذج التنبؤ المقارن بين الطاقة الشمسية العائمة والأرضية، 2025.


