اتجاهات التغييرات الاجتماعية السياسية في عدد من النظم السياسية العربية (2)

اتجاهات التغييرات الاجتماعية السياسية في عدد من النظم السياسية العربية (2)
تكشف تجربتا ليبيا والسودان أن إسقاط النظم لا يضمن بناء الدولة؛ فغياب التوافق المؤسسي، وصراع النخب، والتدخلات الخارجية، وضعف إدارة المرحلة الانتقالية قد يحوّل التغيير السياسي من فرصة للإصلاح إلى انقسام وصراع وأزمات إنسانية ممتدة...

بعد ان بينا مفهوم التغيير الاجتماعي وحتميته ومصادره والياته واتجاهاته من ناحية الأثر وبينا كذلك في مقال سابق اتجاهات التغيير الاجتماعي في تونس ومصر نبين في هذا المقال اتجاهات التغيير الاجتماعي السياسي في عدد اخر من النظم السياسية العربية وهي

ثالثاً/ ليبيا: بعد مقتل معمر القذافي عام 2011 تولى المجلس الوطني الانتقالي حكم البلاد لتجري أول انتخابات تشريعية عام 2012 بعدها تبنى اللواء خليفة حفتر عمليات عسكرية للسيطرة على الحكم لتشكل حكومتان وبرلمانان ولتقسم البلاد ما بين العاصمة طرابلس وبنغازي التي تسيطر عليها أي بنغازي قوات خليفة حفتر والذي عاود الهجوم على طرابلس عام 2019 ولتدخل على الخط دول إقليمية وعالمية قسماً منها يدعم معسكر طرابلس وقسماً منها يدعم معسكر بنغازي وقسماً اخر يعمل مع المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة  يدعو الى الحوار والتهدئة اذ توجت جهود القسم الثالث بتوقيع اتفاقية جنيف برعاية الأمم المتحدة لوقف اطلاق النار في محاولة لصنع السلام الا ان الجهود الدولية لم تثمر الى الان عن بناء سلام حقيقي فما زال الانقسام ما بين قطبين رئيسيين وهما.

1- معسكر الغرب(طرابلس) المعترف به اممياً بحكومة يرأسها عبد الحميد الدبيبة ومجلس رئاسة برئاسة محمد المنفي.

2- معسكر الشرق والجنوب (بنغازي) بقيادة الفريق خليفة حفتر وولديه وحكومة برئاسة أسامة حماد ومجلس نواب برئاسة عقيلة صالح.

وفي كلا المعسكرين يوجد بنك مركزي يحاول الاستحواذ على عوائد النفط الليبي.

المتمعن للتتبع الاحداث في ليبيا يجد ان اتجاه التغيير وأثره كان سلبي فبعد ان كانت ليبيا دولة موحدة بزعامة الدكتاتور معمر القذافي ذات مستوى معاشي جيد او فوق الجيد أصبحت تعاني من الانقسام والحروب الاهلية وتدخل أطراف إقليمية ودولية في شأنها الداخلي في محاولة للبحث عن مواطن للنفوذ في دولة متميزة في انتاجها النفطي فعدد قتلى الصراعات المسلحة تجاوز ال(10,000) شخص وعدد النازحين قسراً تجاوز ال (107,000) وعانت ليبيا كذلك من هجرة الادمغة وهم ركيزة بناء الدولة وعانت من ازدياد نسب الفقر بسبب تذبذب الإنتاج النفطي مصدر الدخل الوحيد نتيجة لتفجير  ابار النفط وموانئ التصدير في بعض المناطق الساحلية التي سيطر عليها تنظيم داعش في مرحلة خلت .

رابعاً/ السودان: بعد سقوط نظام عمر البشير عام 2019 واندلاع الحرب في نيسان عام 2023 انقسمت البلاد ما بين معسكرين رئيسيين وهما

1- القوات المسلحة السودانية بزعامة الفريق اول عبد الفتاح البرهان تسيطر على مناطق شمال وشرق السودان

2- قوات الرد السريع بزعامة محمد حمدان دقلو(حميدتي) تسيطر على أجزاء كبيرة من العاصمة الخرطوم ومعظم إقليم دارفور وولايات في الوسط وكردفان (قوات الرد السريع أساسها مليشيا الجنجويد وهي قوات غير نظامية تأسست لإسناد ودعم الرئيس عمر البشير)

دخلت البلاد في دوامة العنف المسلح ما بين الطرفين ولم تخرج منه الى الان بالرغم من الجهود الإقليمية والعالمية لصنع السلام.

حصيلة الصراع في السودان

قبل البدء بذكر الأرقام لابد من التنويه لقضية أساسية وهي عدم وجود احصائيات رسمية دقيقة وتتضارب الأرقام ما بين احصائيات وزارة الصحة والمؤسسات الدولية المعنية بالصراع والتقارير الإعلامية

  • القتلى: يتراوح عدد القتلى نتيجة الصراع منذ بدايته ولسنتين متتاليتين (12،000) بحسب إحصائية وزارة الصحة و(150،000) بحسب التقارير الدولية الا ان الرقم الأخير هو الأقرب للصحة بحسب المنطق ولخروج مساحات واسعة من السودان عن سلطة وزارة الصحة ومن ثم استحالة إحصاء الاعداد الحقيقة للقتلى
  • النزوح والهجرة: بلغ عدد النازحين بسبب العنف المسلح (8،6) مليون نازح والمهاجرين الى دول الجوار (3،9) مليون مهاجر
  • الخسائر الاقتصادية: بلغ حجم الخسائر الاقتصادية (108) مليار دولار والرقم قابل للزيادة
  • الخسائر في مجال الخدمات الاجتماعية: تمثل حجم الخسائر الاجتماعية في مجال الصحة بخروج (250) مستشفى حكومي عن العمل بشكل رسمي من أصل (750) مستشفى، اما الخسائر في المجال التعليمي فتمثلت بتعطيل (120) جامعة وكلية وضياع الفرص التعليمية ل (17) مليون طفل
  • الامن الغذائي: يواجه (25) مليون شخص تحدي حقيقي وحاد في مجال تحقيق الامن الغذائي ويعاني (4،2) مليون طفل من أصل (25) مليون شخص من سوء التغذية الحاد وبات شبح المجاعة يهدد المواطن السوادني لا سيما وان اغلب دول العالم منشغلة ما بين اضطرابات منطقة الشرق الأوسط وتداعيات اغلاق مضيق هرمز والحرب الدائرة ما بين روسيا وأوكرانيا

المتتبع للتغييرات الاجتماعية السياسية في السودان يجد ان اتجاه التغيير كان سلبي.

وفي ضوء ما ذكر يتبين ان التغييرات الاجتماعية المحدثة للتغييرات السياسية كانت ذات اتجاه إيجابي ((ربيعاً)) في بعض الدول مثل (تونس) وكانت ذات نتيجة متعادلة صفرية في (مصر) وكانت ذات اتجاه سلبي (خريفاً) بل شتاءً ديجورياً في بلدان أخرى (ليبيا والسودان).

التغيير حالة إيجابية لكن يبدو ان هنالك أسباب موضوعية أدت الى الفشل في بعض البلدان وان هنالك محاولات للاستئثار بالسلطة وهنالك أطراف متدخلة وأطراف لم تحسن بناء الدولة في مرحلة ما بعد التغيير مما تسبب في هذا الفشل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *