في العراق، لم يعد الدولار مجرد عملة تُشترى وتُباع، بل أصبح رقماً يراقب المواطن حركته بقلق وخوف، لأن كل ارتفاع في سعره قد يعني فاتورة جديدة تُدفع من جيبه، وعبئاً إضافياً يُضاف إلى أعباء الحياة التي لم تعد تحتمل المزيد.
يصعد الدولار… فترتفع الأسعار.
ينخفض الدولار… لكن الأسعار لا تعود بالسرعة نفسها، وبعضها يبقى على حاله، وكأن الارتفاع حق مكتسب للتاجر، أما الانخفاض فلا نصيب للمواطن منه!
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين يذهب أثر انخفاض الدولار؟ ولماذا تنتقل زيادته سريعاً إلى جيوب المواطنين، بينما يتأخر انعكاس انخفاضه على أسعار السلع؟ ومن المستفيد من استمرار هذه الفوضى؟
قد يكون جزء من هذه الظاهرة مرتبطاً بتكاليف الاستيراد والمخزون القديم وتوقعات التجار بشأن حركة السوق، لكن ذلك لا يفسر جميع حالات ارتفاع الأسعار أو استمرارها عند مستويات مرتفعة. ففي الأسواق التي تضعف فيها المنافسة والرقابة، قد تتحول تقلبات سعر الصرف إلى فرصة لتحقيق أرباح إضافية على حساب المستهلك، خصوصاً عندما تغيب الشفافية عن التسعير وهوامش الربح.
لسنا أمام أرقام تظهر على شاشات الصرافة أو مؤشرات اقتصادية لا يفهمها إلا المختصون، بل أمام خبز المواطن ودوائه، وإيجار بيته، وحاجات أطفاله، وراتب يفقد جزءاً من قيمته كلما ارتفعت تكاليف المعيشة. فالعراق يعتمد على الاستيراد لتأمين جانب كبير من احتياجاته، ولذلك فإن اضطراب سعر الدولار ينعكس على أسعار السلع والمواد الأساسية، وإن بدرجات متفاوتة.
والأخطر من ارتفاع الدولار نفسه أن يتحول المواطن إلى مجرد متفرج على قرارات وتحركات اقتصادية لا يعرف أسبابها، ولا يفهم كيف تُدار، ولا يستطيع التمييز بين الارتفاع الناتج عن ظروف اقتصادية حقيقية والارتفاع الذي تسببه المضاربات أو الممارسات التجارية غير المشروعة. وفي الحالتين يجد نفسه مطالباً بدفع الثمن، بينما لا يملك القدرة على حماية دخله من التآكل.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً وصريحاً: هل يتحرك سوق الدولار في العراق وفق عوامل اقتصادية ومالية طبيعية فقط، أم أن هناك مضاربات ومصالح وشبكات تستفيد من اضطراب السوق واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسعر المتداول خارجه؟
إن وجود فارق بين السعر الرسمي والسوق الموازية قد يرتبط بالطلب على النقد الأجنبي، وإجراءات التحويل والامتثال المصرفي، ومدى قدرة القنوات الرسمية على تلبية احتياجات المستوردين والمتعاملين. لكن استمرار هذا الفارق قد يفتح أيضاً مجالاً للمضاربة واستغلال حاجة الأفراد والتجار إلى الدولار، وهو ما يستدعي رقابة فعلية وفهماً دقيقاً لمصادر الطلب وحركة الأموال.
لا يجوز اتهام جهة بعينها من دون دليل، ولا يصح اختزال مشكلة معقدة في اتهامات عامة. لكن من حق الشعب أن يسأل، ومن واجب الدولة أن تجيب بالأرقام والحقائق والشفافية، لا بالتصريحات المطمئنة التي لا يجد المواطن أثرها في الأسواق.
فإذا كان هناك تهريب للعملة، فلتُكشف مساراته والجهات المتورطة فيه.
وإذا كانت هناك مضاربات غير مشروعة، فلتُحاسب الجهات التي تثبت مسؤوليتها عنها.
وإذا كانت هناك ثغرات في السياسة النقدية أو إجراءات التحويل المصرفي، فلتُعالج بقرارات واضحة ومدروسة.
وإذا كانت هناك إجراءات اقتصادية ضرورية تفرض أعباء إضافية على المواطنين، فمن حقهم أن يعرفوا أسبابها ومدتها والنتائج المتوقعة منها، وما الذي ستفعله الحكومة لحماية دخولهم وقدرتهم الشرائية.
أما أن يبقى المواطن آخر من يعلم وأول من يدفع، فهذه هي المشكلة الحقيقية.
العراق بلد يمتلك موارد وثروات هائلة، ويُعد النفط المصدر الرئيس لإيراداته العامة، ومع ذلك أصبح المواطن يحسب سعر الدولار قبل أن يحسب ما تبقى من راتبه. وهذه مفارقة مؤلمة في بلد غني بموارده، لكنه لم يتمكن حتى الآن من بناء اقتصاد متنوع يحمي أسواقه من التقلبات الخارجية ويخفف اعتماده الكبير على الاستيراد.
فحين يكون معظم دخل الدولة مرتبطاً بالنفط، وجزء واسع من احتياجات المواطنين مرتبطاً بالسلع المستوردة، يصبح الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات. وإذا ترافق ذلك مع ضعف الإنتاج المحلي واضطراب الأسواق، فإن المواطن يجد نفسه محاصراً بين دخل محدود وأسعار يصعب توقع حركتها.
أي اقتصاد هذا الذي يجعل الفقير يخاف من الرقم الموجود على شاشة الصراف؟
وأي عدالة اقتصادية هذه التي تجعل العامل والموظف وصاحب الدخل المحدود والتاجر الصغير يدفعون كلفة تقلبات لا يملكون السيطرة عليها؟
فالموظف لا يستطيع تعديل راتبه كلما ارتفع الدولار، والعامل لا يستطيع زيادة أجره كلما ارتفع سعر الغذاء، وصاحب المشروع الصغير لا يستطيع دائماً تحميل زبائنه تكاليف إضافية من دون أن يخسر جانباً من مبيعاته. أما الأسر محدودة الدخل، فإنها تضطر إلى تقليص احتياجاتها وتأجيل بعضها، وربما الاستدانة لتأمين أبسط متطلبات المعيشة.
وهنا لا يعود اضطراب الدولار شأناً نقدياً فحسب، وإنما يتحول إلى مشكلة اجتماعية تمس استقرار الأسرة وحركة الأسواق وثقة المواطن بالاقتصاد ومؤسسات الدولة.
نحن لا نطالب بمعجزة.
نطالب بسوق واضح، وسياسة نقدية مفهومة، ورقابة حقيقية على حركة الأسعار، ومحاسبة من يثبت تورطه في التلاعب أو المضاربة غير المشروعة. ونطالب أيضاً بإجراءات تقلل الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وتضمن وصول العملة الأجنبية إلى الأنشطة التجارية المشروعة عبر قنوات مصرفية شفافة، من دون أن تتحول القيود والإجراءات إلى أعباء إضافية على المستهلك.
ولا تكفي مراقبة محال الصرافة وحدها إذا بقيت أسباب الاضطراب قائمة. فاستقرار السوق يحتاج إلى تنسيق بين البنك المركزي والجهات المالية والرقابية، وإلى تعزيز الثقة بالنظام المصرفي، فضلاً عن حماية المنافسة ومنع استغلال تغير سعر الصرف لفرض زيادات غير مبررة في الأسعار.
والأهم من ذلك أن يعرف المواطن ما الذي يحدث لأمواله، ولماذا ترتفع الأسعار، وما الإجراءات التي تتخذها الدولة لضمان ألا يتحول كل اضطراب اقتصادي إلى خسارة جديدة من دخله.
كفى تحميل المواطن فاتورة كل أزمة.
لقد دفع الشعب العراقي أثماناً باهظة للحروب والإرهاب والفساد وسوء الإدارة والبطالة وتراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة. وتحمل سنوات طويلة من الأزمات التي استنزفت مدخراته وأضعفت قدرته على التخطيط لمستقبله.
فهل يُراد منه اليوم أن يدفع أيضاً ثمن اضطراب الدولار، وأن يتحمل وحده نتائج الاختلالات الاقتصادية التي لم يكن مسؤولاً عن صنعها؟
اتركوا للفقير ما تبقى من لقمة عيشه.
اتركوا للعراقي فرصة أن يعيش بكرامة، وأن يشعر بأن راتبه يستطيع تأمين احتياجات أسرته، وأن ثروات بلده يمكن أن تنعكس على حياته استقراراً وأماناً.
ولا تجعلوا الاقتصاد ساحة مفتوحة للمضاربات والمصالح الضيقة، يدفع ثمن اضطرابها شعب بأكمله.
فالمال العام ليس غنيمة، والدينار ليس ورقة للمضاربة، والمواطن ليس رقماً في جدول اقتصادي يمكن تجاهل معاناته كلما احتاجت الدولة إلى معالجة أزمة جديدة.
إن استقرار سعر الصرف مهم، لكن الأهم أن ينعكس هذا الاستقرار على حياة الناس، وأن تكون السياسة النقدية جزءاً من سياسة اقتصادية تحمي المواطن وتشجع الإنتاج وتضبط الأسواق. فما قيمة الحديث عن المؤشرات المالية إذا كان المواطن لا يشعر بتحسن في معيشته؟ وما جدوى انخفاض الدولار إذا بقيت الأسعار مرتفعة، ولم يصل أثره إلى جيوب أصحاب الدخل المحدود؟
ومن حق العراقي أن يعرف الحقيقة كاملة، بعيداً عن التبريرات والاتهامات التي لا تستند إلى أدلة. ومن حقه أن يطالب برقابة ومحاسبة وشفافية تكشف أسباب اضطراب السوق والجهات التي تستفيد بصورة غير مشروعة من هذا الاضطراب، إن ثبت وجودها.
فالسؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن طاولة المسؤولين، ولا عن ضمير من يتولون إدارة الاقتصاد، هو:
عندما يصعد الدولار… من الذي يصعد معه؟ وعندما يسقط الدينار… من الذي يربح من سقوطه؟
والأهم من ذلك كله: لماذا يبقى المواطن العراقي، في كل مرة، هو الذي يدفع الفاتورة؟


