يمثل تخفيض سعر صرف العملة الوطنية أحد الخيارات المتاحة للسياسة الاقتصادية لكنه ليس إجراءً محايداً اجتماعياً ولا ينبغي أن يكون الخيار الأول لمعالجة العجز المالي ، ففي الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد قد تتحول كلفته إلى ارتفاع في أسعار السلع والخدمات وتراجع في القوة الشرائية للمواطنين ولا سيما ذوي الدخل المحدود وهذا ما حدث فعلاً في العراق اليوم ، ومن هنا فإن السؤال الجوهري في الحالة العراقية ليس ما إذا كان سعر الصرف قابلاً للتغيير ، بل ما الإصلاحات التي ينبغي استنفادها قبل اللجوء إليه.
أولاً: الاختلال المالي أعمق من سعر الصرف:
يعاني الاقتصاد العراقي من اختلال هيكلي يتمثل في الاعتماد الكبير على (الإيرادات النفطية واتساع الالتزامات الجارية وضعف الإيرادات غير النفطية ومحدودية مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي) وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى مخاطر اتساع العجز وتراكم المتأخرات مؤكداً ضرورة (ضبط فاتورة الأجور وتعزيز الإيرادات غير النفطية وتحسين بيئة الاستثمار والإنتاج).
وفي 7 تشرين الأول 2026 أُعلن تعديل سعر الصرف الرسمي ليصبح سعر شراء الدولار من وزارة المالية (1500 دينار) وسعر بيعه للمصارف (1510 دنانير)ويجب تقييم هذا القرار في ضوء ظروفه المالية والنقدية لا بمعزل عن تداعياته ، فزيادة عدد الدنانير المتحصلة مقابل الإيرادات الدولارية قد توفر متنفساً اسمياً للخزينة ، لكنها لا تعني زيادة مماثلة في الثروة الحقيقية خصوصاً عندما ترتفع كلفة السلع والمعدات المستوردة.
ثانياً: ما الذي كان ينبغي إعطاؤه الأولوية؟:
تبدأ المعالجة بإصلاح الإنفاق العام من خلال (تدقيق الرواتب والمخصصات والامتيازات والعقود ومعالجة الترهل الوظيفي والازدواج في الاستحقاقات -وفق القانون- مع حماية الحقوق المكتسبة للمستحقين) كما ينبغي مراجعة الإنفاق غير الضروري على الإيفادات والاستشارات والمشتريات الحكومية وإخضاع العقود الكبرى لتدقيق شفاف يحدد كلفتها وعوائدها الفعلية.
أما الإيرادات فلا ينبغي أن تقتصر معالجتها على فرض رسوم جديدة ، بل يجب (توسيع القاعدة الضريبية ومكافحة التهرب ومراجعة الإعفاءات الكمركية وتفعيل التحاسب مع الشركات الكبرى واسترداد الديون المستحقة للدولة) وقد قدم صندوق النقد الدولي خارطة طريق لزيادة الإيرادات غير النفطية في العراق تضمنت (تطوير الإدارة الضريبية والكمركية وتوسيع الوعاء الضريبي ومعالجة الاقتصاد غير الرسمي).
وبالتوازي يجب إصلاح (إدارة أملاك الدولة والشركات العامة وتحسين جباية الكهرباء وتقليل الضائعات واستثمار الغاز المصاحب وحماية الإنفاق الاستثماري الذي يرفع الإنتاجية ويخلق فرص العمل) فالتقشف الذي يطال الصيانة والبنية التحتية والمشروعات المنتجة قد يوفر أموالاً آنية لكنه يفاقم كلفة الاختلالات مستقبلاً.
ثالثاً: حماية المواطن من التضخم:
إن تخفيض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار الأملايكي قد يرفع الكلفة المحلية للاستيراد لكن حجم انتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار يختلف بحسب ظروف السوق والسياسات الاقتصادية ، وقد تناولت دراسات عراقية (العلاقة بين تغيرات سعر الصرف والتضخم) وأكدت أهمية دراسة هذه العلاقة ضمن ظروف الاقتصاد العراقي بدلاً من افتراض أن أثرها ثابت في جميع الفترات.
لذلك ينبغي أن تتزامن أي تعديلات نقدية مع (مراقبة أسعار الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج وتعزيز المنافسة ومكافحة الاحتكار والتهريب وتوجيه الحماية الاجتماعية إلى الأسر الأكثر تضرراً) كما يستلزم الأمر تطوير قاعدة بيانات موحدة للمستحقين وربط المساعدات بتغيرات كلفة المعيشة مع تجنب الدعم العام المكلف الذي لا يصل بالضرورة إلى مستحقيه.
رابعاً: الإصلاح الإنتاجي شرط للاستقرار:
لا يستطيع العراق تحقيق استقرار مالي مستدام ما دام يعتمد على النفط لتمويل الموازنة وعلى الاستيراد لتلبية جزء كبير من احتياجاته ، ولهذا ينبغي توجيه الاستثمار نحو (الصناعات التحويلية والبتروكيمياويات والأسمدة والزراعة والطاقة المتجددة والنقل والخدمات اللوجستية) مع تسهيل التمويل للمشروعات المنتجة وتشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ويجب قياس نجاح الإصلاح بمؤشرات واضحة منها (نمو الإيرادات غير النفطية وانخفاض كلفة إنتاج الكهرباء وزيادة الصادرات غير النفطية وتوفير فرص العمل وتحسن القوة الشرائية للأسر) كما ينبغي تعزيز استقلالية السياسة النقدية عن احتياجات تمويل الموازنة كي لا يتحول سعر الصرف إلى أداة لتعويض ضعف الإدارة المالية.
الخلاصة:
إن تخفيض سعر الصرف ليس محرماً اقتصادياً لكنه لا يعوض عن الإصلاح المالي والإداري والإنتاجي ، وكان ينبغي إعطاء الأولوية (لمعالجة الهدر وتحسين التحصيل الضريبي والكمركي وإصلاح المؤسسات العامة وتنويع مصادر الدخل وحماية الفئات الهشة) ضمن برنامج متكامل ومعلن النتائج.
فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسة الاقتصادية ليس عدد الدنانير التي تحصل عليها الخزينة مقابل الدولار ، بل قدرة الدولة على تمويل (التزاماتها بصورة مستدامة وتحسين الإنتاج وصون القوة الشرائية للمواطن).
((فالإصلاح الحقيقي هو أن تتحمل المؤسسات مسؤولية معالجة الاختلالات بدلاً من تحميل المواطن وحده كلفة نتائجها))
المصادر :
1.- صندوق النقد الدولي، العراق: مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، تقرير الموظفين والبيان الصحفي والملاحق المعلوماتية، 2025. .
2.- البنك المركزي العراقي، خطوة استراتيجية لتعزيز الاستقرار المالي: تعديل أسعار صرف الدينار العراقي، 7 تشرين الأول 2026. .
3.- صندوق النقد الدولي، العراق: قضايا مختارة — خارطة طريق لزيادة الإيرادات غير النفطية، 2024. .
4.- رونديك شاهين سيف الدين، وفيان طه محمد، «أثر سعر الصرف في التضخم: العراق دراسة حالة»، مجلة تكريت للعلوم الإدارية والاقتصادية، 2025. .
5.- شُورش قادر علي، «تحليل وقياس أثر سعر الصرف في التضخم في العراق للمدة 2003–2023»، مجلة جامعة التنمية البشرية، المجلد 11، العدد 2، 2025، ص 148–155.


