الدولار يرتفع.. فهل يدفع المواطن ثمن إنقاذ الخزينة؟

الدولار يرتفع.. فهل يدفع المواطن ثمن إنقاذ الخزينة؟
يثير رفع سعر الدولار في العراق تساؤلات جوهرية حول كلفة معالجة العجز المالي وانعكاساتها على القدرة الشرائية للمواطنين، مؤكداً أن الاستقرار المستدام مرهون بتنويع الاقتصاد، وتعزيز الإنتاج الوطني، وضبط الأسواق، وتحقيق التوازن بين متطلبات الخزينة والعدالة الاجتماعية...

في العراق، لا يمكن التعامل مع سعر صرف الدولار باعتباره مجرد رقم اقتصادي يظهر على شاشات المصارف وشركات الصرافة، لأن الدولار أصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، من أسعار الغذاء والدواء والملابس إلى كلفة السكن والنقل والخدمات. ولهذا فإن أي قرار يتعلق بسعر الصرف لا يبقى محصوراً في أروقة وزارة المالية أو البنك المركزي، بل يمتد أثره إلى الأسواق والمنازل والرواتب والقدرة الشرائية، ليصبح قضية اجتماعية وسياسية بقدر ما هو قضية مالية واقتصادية.

جاء القرار العراقي الأخير برفع سعر الصرف الرسمي للدولار أمام الدينار في ظرف اقتصادي ومالي بالغ الحساسية، وسط ضغوط تواجه الموازنة العامة وإيرادات الدولة، ولا سيما مع استمرار الاعتماد الكبير على النفط. فقد اعتمد البنك المركزي العراقي، اعتباراً من السابع من تشرين الأول 2026، سعراً لشراء الدولار من وزارة المالية يبلغ 1500 دينار، وسعراً لبيعه إلى المصارف يبلغ 1510 دنانير، فيما حُدد سعر البيع النقدي للجمهور عند 1520 ديناراً للدولار، بعد أن كان السعر الرسمي للبيع للجمهور 1320 ديناراً. وهو تعديل لا يمكن فصل دوافعه عن الضغوط المالية وتراجع الإيرادات النفطية بفعل اضطرابات التصدير والتطورات الإقليمية الأخيرة.

خطوة إستراتيجية لتعزيز الاستقرار المالي

ومن الناحية الحسابية، فإن رفع سعر الدولار يمنح الحكومة عدداً أكبر من الدنانير مقابل كل دولار تحصل عليه من الإيرادات النفطية، الأمر الذي يساعدها على توفير السيولة اللازمة لتمويل الرواتب والنفقات العامة وسد جزء من العجز المالي. فكل مليار دولار تحوله وزارة المالية بالسعر الجديد يوفر لها نحو 200 مليار دينار إضافية مقارنة بسعر الشراء السابق البالغ 1300 دينار للدولار. لكن هذه الزيادة في الإيرادات الدينارية لا تعني أن الدولة أصبحت أكثر ثراءً بالقيمة الحقيقية، لأنها تحصل على المبلغ الدولاري نفسه، بينما تتراجع القوة الشرائية للدينار أمام السلع والخدمات المرتبطة بالعملة الأجنبية.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يكون في صدارة النقاش الاقتصادي: من يتحمل كلفة هذا القرار؟ وهل تستطيع الدولة معالجة ضغوطها المالية من دون أن تنقل جزءاً كبيراً من العبء إلى المواطن؟

إن المواطن العراقي لا يتعامل مع الدولار باعتباره مؤشراً اقتصادياً مجرداً، وإنما يلمس أثره المباشر في السوق. فالعراق يعتمد على الاستيراد لتلبية جانب كبير من احتياجاته، ولذلك فإن ارتفاع سعر الدولار يرفع كلفة السلع المستوردة والمواد الأولية والمستلزمات التي تدخل في الإنتاج المحلي. ومع انتقال هذه التكاليف عبر حلقات الاستيراد والتوزيع والتجارة، قد يجد المستهلك نفسه أمام أسعار أعلى، بينما يبقى دخله على حاله.

غير أن انتقال ارتفاع الدولار إلى أسعار السلع لا يحدث بالنسبة نفسها أو بالسرعة ذاتها في جميع الأسواق. فالأمر يتوقف على طبيعة السلعة ومصدرها، والمخزون المتوافر منها، ومدى المنافسة بين التجار، وطريقة حصول المستوردين على العملة الأجنبية. كما أن وجود فارق بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق الموازية قد يضاعف حالة عدم اليقين، ويجعل بعض التجار يسعّرون بضائعهم على أساس توقعاتهم المستقبلية، حتى عندما تكون قد استُوردت بتكاليف أقل.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فإذا ارتفع الدولار ولم ترتفع دخول المواطنين بالقدر نفسه، فإن النتيجة تكون انخفاضاً في القيمة الحقيقية للراتب. فالموظف الذي كان يستطيع شراء كمية معينة من السلع براتبه قد يجد نفسه مضطراً إلى تقليص استهلاكه للحصول على احتياجاته الأساسية. وهذا يعني أن خطورة القرار لا تكمن في الرقم المعلن لسعر الصرف وحده، وإنما في مقدار ما يفقده المواطن من قدرته الشرائية نتيجة ارتفاع الأسعار.

وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الحكومة تواجه تحديات مالية حقيقية. فالدولة التي تعتمد بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية تبقى شديدة الحساسية لتقلبات الأسعار العالمية وحجم الصادرات، وأي اضطراب في تدفق العائدات ينعكس سريعاً على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وعندما تكون الرواتب والتقاعد والدعم الاجتماعي والنفقات التشغيلية جزءاً كبيراً من الإنفاق العام، تصبح الخيارات المالية المتاحة أمام الحكومة أكثر صعوبة.

وتزداد هذه الصعوبة لأن جزءاً واسعاً من النفقات الحكومية مقوّم بالدينار، بينما تأتي الإيرادات النفطية بالدولار. ومن هنا تبدو جاذبية تعديل سعر الصرف بالنسبة إلى السياسة المالية، إذ تستطيع الحكومة زيادة مواردها الدينارية من دون زيادة مماثلة في إنتاج النفط أو صادراته. لكن هذه المعالجة قد تخفف الضغط على الخزينة مؤقتاً، من دون أن تعالج الاختلال الذي جعل الدولة بحاجة إلى هذا الإجراء أصلاً.

كما أن المكاسب المالية لا تخلو من تكاليف مقابلة، فالحكومة نفسها تستورد سلعاً ومعدات وتتحمل التزامات مرتبطة بالعملة الأجنبية. وإذا أدى انخفاض قيمة الدينار إلى ارتفاع الأسعار المحلية، فقد تتزايد لاحقاً المطالبات برفع الأجور والتخصيصات الاجتماعية، وهو ما قد يقلص جانباً من المكاسب التي حققتها الخزينة.

لذلك فإن استخدام سعر الصرف لمعالجة الاختلال المالي يجب أن يكون محسوباً بدقة، لأن العملة ليست مجرد وسيلة للتبادل، وإنما هي أيضاً مقياس لثقة المواطن بالاقتصاد والدولة. وكلما تكررت التغييرات في سعر الصرف من دون معالجة الأسباب الهيكلية، ازداد قلق السوق، وارتفع ميل الأفراد والشركات إلى الاحتفاظ بالدولار تحسباً لأي تراجع إضافي في قيمة الدينار.

ومن هنا، لا ينبغي قراءة القرار بمعزل عن طبيعة الاقتصاد العراقي. فالمشكلة الأساسية تتجاوز ارتفاع الدولار إلى اقتصاد ما زال يعتمد بصورة مفرطة على مصدر واحد للإيرادات العامة، في حين لم يصل الإنتاج الزراعي والصناعي إلى المستوى الذي يسمح بتقليص فاتورة الاستيراد وتوفير مصادر دخل وفرص عمل بديلة.

العراق يمتلك إمكانات اقتصادية كبيرة، لكنه لم يستثمرها حتى الآن بالشكل الذي يسمح ببناء قاعدة إنتاجية متنوعة. فبلد يمتلك الأراضي الزراعية والموارد البشرية والموقع الجغرافي والثروات الطبيعية يستطيع أن ينتقل تدريجياً من اقتصاد يغلب عليه الاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد أكثر اعتماداً على الإنتاج والتصدير. لكن ذلك يحتاج إلى استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد، تتجاوز الحلول المالية المؤقتة وتستند إلى تحسين بيئة الاستثمار وتوفير الطاقة والبنية التحتية وحماية المنافسة.

إن معالجة سعر الصرف من دون معالجة ضعف الإنتاج المحلي تشبه معالجة أعراض المرض وترك أسبابه. فكلما ارتفعت نسبة السلع المستوردة في الاستهلاك، ازدادت حساسية الأسواق تجاه الدولار. أما توسيع الإنتاج المحلي فيمكن أن يخفف هذه الحساسية تدريجياً، ويمنح المنتج العراقي فرصة أفضل للمنافسة مع السلع المستوردة.

وقد يؤدي انخفاض قيمة الدينار، من الناحية النظرية، إلى تحسين القدرة التنافسية للمنتجات المحلية أمام المستورد. وهذا أحد الأهداف التي أشار إليها البنك المركزي عند إعلان التعديل الأخير. لكن تحقق هذه الفائدة يتوقف على قدرة المصانع والمزارع العراقية على زيادة إنتاجها، ومدى اعتمادها على المواد الأولية والمعدات المستوردة. فإذا ارتفعت تكاليف مدخلات الإنتاج بالتزامن مع ارتفاع الدولار، فإن المكاسب التنافسية المتوقعة قد تكون محدودة، خصوصاً في القطاعات التي تعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف الكهرباء والنقل والتمويل.

خطوة إستراتيجية لتعزيز الاستقرار المالي

وهنا تظهر مسؤولية الدولة في حماية الاقتصاد الوطني. فالمطلوب لا يقتصر على مراقبة سعر الدولار، وإنما يمتد إلى مراقبة الأسواق وآليات التسعير. وليس من الدقة تحميل كل ارتفاع في الأسعار لتغيير سعر الصرف، لأن بعض الأسواق تعاني من الاحتكار والمضاربة وضعف المنافسة واختلال حلقات التوزيع، وهي عوامل قد تضاعف أثر القرار على المستهلك.

ولهذا فإن نجاح السياسة الجديدة يتوقف بدرجة كبيرة على الإجراءات المرافقة لها. فإذا كانت الحكومة ترى في تعديل سعر الصرف وسيلة لتخفيف الضغوط المالية، فعليها في المقابل أن تمنع استغلال القرار لفرض زيادات سعرية غير مبررة، وأن تضمن انسيابية استيراد السلع الأساسية وتوافرها، مع توفير حماية اجتماعية للفئات الأكثر تضرراً من ارتفاع تكاليف المعيشة.

ولا يمكن إغفال أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين والعاملين بأجور ثابتة. فهؤلاء أكثر حساسية تجاه التضخم، لأن قدرتهم على تعديل دخولهم محدودة. التاجر يستطيع إعادة تسعير بضاعته، والمستورد يستطيع تعديل أسعار منتجاته، بينما الموظف أو المتقاعد لا يستطيع إعادة تسعير راتبه.

وهذا يفرض على الحكومة مسؤولية اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، لأن المحافظة على انتظام دفع الرواتب لا تكفي إذا كانت قيمتها الحقيقية تتآكل بفعل ارتفاع الأسعار. فالراتب الذي يبقى ثابتاً من حيث الرقم، بينما ترتفع تكاليف الغذاء والدواء والسكن، يفقد جانباً من قدرته على تأمين متطلبات الحياة.

وإذا كانت الدولة مضطرة إلى اتخاذ قرار صعب لحماية ماليتها العامة، فعليها أن تشرح للمواطن بوضوح دوافعه وأهدافه والنتائج المتوقعة منه، وأن تحدد الإجراءات التي ستتخذها لتخفيف آثاره الاجتماعية. كما ينبغي أن يكون واضحاً ما إذا كان تعديل سعر الصرف جزءاً من برنامج إصلاح اقتصادي أوسع، أم مجرد استجابة لضغوط مالية طارئة.

إن غياب الشفافية الاقتصادية يفتح المجال أمام الشائعات والمضاربة والخوف. وفي اقتصاد تتأثر أسواقه كثيراً بتوقعات الناس، قد تؤدي الإشاعات إلى اضطرابات تتجاوز التأثير المباشر للقرار نفسه. فعندما يعتقد المواطن أن الدولار سيواصل الارتفاع، قد يسارع إلى شرائه والاحتفاظ به، وقد يؤخر التاجر بيع بضاعته، بينما يعيد المستورد حساباته على أساس أسعار مستقبلية أعلى، فتزداد الضغوط على السوق.

لذلك فإن الثقة عنصر أساسي في نجاح السياسة النقدية. وكلما كانت القرارات واضحة ومصحوبة بإجراءات قابلة للتنفيذ، أمكن الحد من الاضطراب وتقليل السلوك المضاربي. كما أن قدرة البنك المركزي على توفير الدولار عبر القنوات الرسمية، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، ستكون عاملاً مهماً في تحديد حجم انتقال القرار إلى أسعار السلع.

وفي الجانب الآخر، ينبغي النظر إلى المسألة من زاوية السيادة الاقتصادية. فالعراق يمتلك موارد كبيرة، لكنه ما زال مرتبطاً بدرجة عالية بسوق النفط العالمي وبحركة الدولار والتجارة الخارجية. والسيادة الاقتصادية لا تعني الانغلاق عن العالم، وإنما امتلاك القدرة على إدارة الصدمات الخارجية من دون أن تتحول كل أزمة إلى تهديد مباشر لاستقرار الموازنة والأسواق ومستوى معيشة المواطنين.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع الدولار، وإنما مع ضعف الإنتاج والتبعية المفرطة للاستيراد وطبيعة الاقتصاد الريعي. الدولار ليس عدواً للعراق، فهو عملة رئيسية في التجارة والتمويل الدوليين، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاقتصاد العراقي عاجزاً عن امتصاص تقلباته، وعندما تكون قدرة الدولة على تمويل التزاماتها مرتبطة بمتغيرات لا تتحكم فيها بصورة كاملة.

ومن الخطأ أيضاً اختزال المسألة في أن ارتفاع الدولار يعني بالضرورة انهيار الاقتصاد، كما أنه من الخطأ تصوير القرار على أنه نجاح اقتصادي كامل لمجرد أنه يزيد الإيرادات الدينارية للحكومة. فقد تحقق الدولة مكاسب مالية قصيرة الأمد تساعدها على تجاوز أزمة السيولة، لكنها في الوقت نفسه قد تواجه ارتفاعاً في تكاليف الاستيراد وضغوطاً تضخمية وتراجعاً في القوة الشرائية إذا لم تُحسن إدارة المرحلة.

والمعيار الحقيقي لنجاح القرار ينبغي ألا يكون مقدار ما تضيفه الحكومة إلى إيراداتها فحسب، بل قدرتها على استخدام هذا التحسن المالي من دون إضعاف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فزيادة الدنانير المتاحة للخزينة لا تعادل بالضرورة زيادة في الثروة الوطنية، خصوصاً إذا رافقها تراجع في القيمة الحقيقية لدخول المواطنين.

ومن الضروري أن تستثمر الدولة أي حيز مالي إضافي يوفره تعديل سعر الصرف في معالجة الاختلالات التي جعلت الاقتصاد عرضة لهذه الضغوط، بدلاً من توجيهه بالكامل إلى توسيع الإنفاق الاستهلاكي. فالزيادة في الموارد من دون إصلاح هيكل الاقتصاد قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تمنع تكرارها.

أما توجيه جانب من الموارد نحو المشاريع الإنتاجية، وتحسين البنية التحتية والطاقة، وتطوير الصناعة والزراعة والتعليم والتكنولوجيا، فيمكن أن يعزز قدرة العراق على مواجهة الأزمات مستقبلاً. لكن نجاح هذا التوجه يتطلب اختيار مشاريع ذات جدوى اقتصادية حقيقية، وضمان تنفيذها بكفاءة، وعدم تحويل الإنفاق الاستثماري إلى أعباء مالية جديدة من دون مردود إنتاجي واضح.

العراق بحاجة إلى اقتصاد ينتج أكثر، ويخفض اعتماده غير الضروري على الاستيراد، ويوسع صادراته غير النفطية، ويخلق فرص عمل خارج مؤسسات الدولة. وعندما يصبح القطاع الخاص منتجاً وقادراً على المنافسة، وتتحول الزراعة والصناعة إلى مصدرين فعليين للدخل والتشغيل، فإن حساسية الاقتصاد تجاه تقلبات سعر الصرف ستنخفض تدريجياً.

أما إبقاء الاقتصاد معتمداً على النفط والدولار والاستيراد، ثم محاولة معالجة كل أزمة بأدوات نقدية ومالية مؤقتة، فلن يقود إلى استقرار مستدام. وقد يسمح تعديل سعر الصرف بكسب الوقت، لكنه لا يستطيع بمفرده تعويض ضعف التنويع الاقتصادي أو معالجة اختلال الإنفاق العام.

إن قرار رفع سعر الدولار ينبغي أن يكون جرس إنذار للإسراع في بناء اقتصاد عراقي متنوع، لا مناسبة جديدة لتحميل المواطن أعباء إضافية. فالمواطن ليس رقماً في معادلة الموازنة، والراتب ليس مجرد بند من بنود الإنفاق، والأسواق ليست مجرد مساحة لتبادل السلع، وإنما منظومة ترتبط بها حياة ملايين العراقيين واستقرارهم المعيشي.

وفي النهاية، قد يكون القرار ضرورياً من وجهة نظر مالية، وقد يكون قابلاً للدفاع عنه في إطار إدارة أزمة اقتصادية، لكن ضرورته لا تعني أن آثاره الاجتماعية يمكن تجاهلها. فالقرار الاقتصادي الناجح هو الذي يوازن بين حاجة الدولة إلى حماية ماليتها العامة وقدرة المواطن على تحمّل أعباء المعيشة، وبين استقرار الخزينة واستقرار السوق، وبين متطلبات الإصلاح وضرورات الحماية الاجتماعية.

إن العراق لا يحتاج إلى سعر صرف مستقر فحسب، وإنما إلى اقتصاد مستقر وقادر على الإنتاج. ولا يحتاج إلى زيادة إيرادات الدولة وحدها، بل إلى توسيع مصادر تلك الإيرادات وتحسين قدرتها على الاستمرار. كما أن حماية الدينار لا تتحقق بقرارات سعر الصرف وحدها، وإنما بوجود اقتصاد منتج، ومؤسسات مالية قوية، وسياسات تحافظ على الثقة والقوة الشرائية.

الدولار قد يرتفع بقرار، لكن قيمة الدولة لا ترتفع إلا بما تنتجه، وقيمة الدينار لا يحميها الرقم وحده، وإنما يحميها اقتصاد قادر على الإنتاج والمنافسة والصمود.

ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة ليس كيف تجعل الدولار أعلى أو الدينار أقل، وإنما كيف تجعل الاقتصاد العراقي أقوى، بحيث لا يكون المواطن هو الحلقة الأضعف في كل قرار اقتصادي.

فإذا نجحت الدولة في تحويل هذه الأزمة إلى بداية لإصلاح اقتصادي حقيقي، وتنويع مصادر الدخل، ودعم الإنتاج المحلي، وضبط الأسواق، وحماية الفئات محدودة الدخل، فقد يصبح القرار الصعب جزءاً من مسار إصلاحي يمكن الدفاع عن نتائجه. أما إذا اقتصر الأمر على زيادة الإيرادات الدينارية وترك المواطن يواجه ارتفاع الأسعار وحده، فإن المشكلة لن تكون في الدولار فقط، بل في الطريقة التي تُدار بها ثروات بلد يمتلك من الإمكانات ما يكفي ليكون اقتصاده أقوى بكثير مما هو عليه اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *