بلا شك ان ربع قرن من السنين تكفي لبناء دولة، وتكفي أيضا لتفكيك وتدمير واحدة ايضا.
لكن العراق منذ عام ألفين وثلاثة لم يذهب إلى أي من الحدّين – بل أنتج شيئا أكثر استدامة وأقل وضوحا:
أنتج “نظام حكم يعيش على إدارة الهشاشة لا على تجاوزها”
هذا التمييز ليس لغويا، بل هو جوهر المعضلة، لان الحاكم الفاشل يرغب بالبناء ولكنه لا يستطيع، أما ما شهده ويشهده العراق فمختلف:
لان “النظام القائم لا يجد في اكتمال الدولة مصلحة له”
والفرق بين العجز والإرادة فرق يغير كل شيء في التشخيص، وبالتالي في أي علاج ممكن.
وهنا نحن لا نتحدث عن الفساد، لان الفساد عرض يراه ويعرفه الجميع، بل الحديث يدور حول البنية التي تجعل الفساد ضرورة وظيفية لا استثناء.
-
حين يتحول المشروع إلى نقيضه
الفاعلون السياسيون الذين حكموا العراق بعد ألفين وثلاثة لم يكونوا متشابهين في خطابهم، بعضهم حمل مشروع الدولة ذات المرجعية، وبعضهم مشروع الحماية والسيادة الوطنية، وبعضهم (الأحدث مشروعا) كسر المنظومة من داخلها، عبر مشاريع متباينة في اللغة والخطاب، وكانت كلها متفاوتة في الجدية، لكنها جميعا انتهت إلى نتيجة مشتركة لا يمكن تفسيرها بالصدفة.
فالتنظيمات التي بنت شرعيتها على مواجهة الاستبداد أعادت إنتاجه بصيغة أكثر توزيعا – ليس عبر مراكز قمع، بل عبر شبكة محاصصة أغلقت قنوات المساءلة بنفس الفاعلية لكن بضجيج أقل، والتنظيمات التي بنت شرعيتها على الحماية تمددت في أوردة الدولة حتى صار التمييز بينها وبين الدولة تمرينا أكاديميا لا إجراء عمليا، والتشكيلات التي دخلت على وعد التغيير وجدت نفسها، بعد أول احتكاك حقيقي بمفاصل القرار، تعيد إنتاج منطق اللعبة ذاتها بأسماء مختلفة.
“هذا النمط المتكرر لا يفسر بضعف الأفراد، بل يفسر بقوة البنية”
فحين تنتج بيئة سياسية النتيجة ذاتها دائما بصرف النظر عن هوية اللاعبين، فهي تخبرك شيئا عن نفسها وقوتها لا عن الافراد.
-
الدولة الهشة.. نظام وليس فشل!
الخطأ الأكثر شيوعا في تحليل النموذج العراقي هو معاملة هشاشة الدولة كنتيجة غير مقصودة لسوء الإدارة، بينما في الحقيقة ان هشاشة الدولة في هذا النموذج ليست خللا طارئا – بل هي الشرط الذي يجعل هذا النظام السياسي قادرا على الاشتغال والبقاء.
والمنطق بسيط وقاس في آن واحد:
وهو ان الدولة القوية ذات المؤسسات المستقلة والخدمات المباشرة تقلّص الحاجة إلى الوسيط السياسي.
والوسيط السياسي – الحزب، التنظيم، الزعيم – هو القيمة المضافة الوحيدة التي تبرر وجود هذه القوى في معادلة الحكم.
ودولة تعمل كـ (مؤسسة) لا تحتاج من يشفع لك فيها، وهي دولة لا تحتاج فيها إلى وسيط ولا تحتاج إلى من يحكمها بهذه الطريقة.
لهذا بالتحديد تحوّلت الوزارات (في هذا النظام القائم) إلى مراكز نفوذ لا اجهزة خدمة، والمشاريع إلى آلية لإعادة توزيع الريع لا أدوات تنمية، ليس لأن أصحابها جهلاء – بل لأن هذا التحول هو صلب العقد السياسي القائم.
و “الدولة الهشة ليست ما يريدون تجاوزه، بل هي ما يريدون الحفاظ عليه”
-
السيادة الوطنية بوصفها خطابا لا سياسة
لا تخلو قوة سياسية عراقية ذات ثقل من خطاب السيادة، والمصطلح حاضر في كل البرامج وكل المناسبات – استقلالية القرار، ورفض الإملاء، والتمسك بالمصلحة الوطنية، والخطاب متقن وأحيانا مخلص على مستوى المشاعر.
لكن حين يصل الضغط الخارجي إلى عتبة التكلفة الحقيقية – في تشكيل الحكومات والقرارات الاقتصادية، وملفات النفط، وإدارة العقوبات – تتكشف استجابة تتعارض بنيويا مع الخطاب المعلن، فلا المواجهة تقع، ولا تفاوض على قاعدة الندية يجري، بل يجري التكيف (الخضوع للخارج)، ثم يعود الخطاب.
هذا النموذج المزدوج – خطاب للداخل وسلوك للخارج – له كلفة استراتيجية مضاعفة يبدو أن أصحابه لم يحسبوها بدقة:
فهو يرسخ لدى الخارج قناعة أن الضغط مجد ويستحق التكرار، ويرسخ لدى الداخل قناعة أن الخطاب لا يعني شيئا ولا يستحق التصديق.
وهكذا يستنزف رأس المال السيادي من الجهتين في آن واحد كأداة تفاوضية مع الخارج، وكمصدر للشرعية في الداخل.
-
الفقاعات – تشخيص بنيوي
الظاهرة الأحدث في المشهد السياسي هي صعود تشكيلات حققت حضورا انتخابيا لافتا في وقت قياسي دون أن يسبقه تراكم تنظيمي أو اجتماعي مناسب، وهذه الظاهرة تستحق قراءة بنيوية لا أخلاقية، لان الصعود الانتخابي السريع في بيئة هشة مثل العراق له مصدران لا ثالث لهما:
– إما أنه يعكس تحولا حقيقيا في التفضيلات الاجتماعية.
– وإما أن يكون ناتجا عن حزمة عوامل تعوّض غياب الشرعية الشعبية – تمويل كثيف، وغطاء نفوذ، وضعف المنافس التقليدي.
والحالة العراقية الراهنة ترجّح الثاني، والمعيار في هذا الترجيح غياب البرنامج الخدمي القابل للقياس، وضعف التجذر خارج دوائر القوة، النفوذ، والمال السياسي.
وهكذا فقاعات لن تنفجر بالضرورة من تأثير خارجي، فقد تنفجر داخليا حين يتبخر الشرط الذي أوجدها.
والتشكيلات المبنية على تمويل متقلب وغطاء سياسي غير مضمون وبيئة انتخابية غير محصّنة، تكون هشّة بنيويا بصرف النظر عن حجمها اللحظي، لان الحجم هنا لا يعني العمق.
-
أخيرا: ما لا يقال
ربع قرن من الحكم أنتج سؤالا واحدا لم تجب عليه بعد أي قوة سياسية ذات وزن:
ما هي البنية البديلة؟
والسؤال ليس عمن يحكم – بل حول كيف تهندس قواعد اللعبة من جديد، للوصول لنظام حوافز يجعل بناء الدولة مكافأة لا تهديدا، والمساءلة آلية لا استثناء، والسيادة سياسة لا خطابا.
وكل نقاش لا يبدأ من هذا السؤال هو نقاش في التفاصيل والأسماء – مفيد أحيانا لكنه لا يمس البنية.
والبنية هي ما أثبت ربع القرن الماضي أنها الأصل، وأن كل ما عداها تبع لها.
ومن يملك الإجابة على هذا السؤال يملك مفتاح الحل الحقيقي.
ومن لا يملكها – مهما بدا صعوده سريعا ومبهرا – فهو فقاعة أخرى في انتظار وقتها.


