في صيف 1945، وقّع ممثلو الإمبراطورية اليابانية على وثيقة الاستسلام على ظهر البارجة (USS Missouri) في خليج طوكيو، وكان قائد الجيش الأمريكي الجنرال دوغلاس ماكآرثر يشرف على المشهد بكل صلافة الفائز، ولم يكن ذلك مجرد نهاية حرب انما كان لحظة ذروة قوة لم تتكرر في التاريخ العسكري الأمريكي، لا قبلها ولا بعدها.
غير أن هذا الانتصار نفسه ينطوي على سؤال أخلاقي وتاريخي لا يزال مفتوحا:
هل كانت أمريكا ستخسر لولا القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناغازاكي؟
الإجابة الأمينة لا.
فاليابان في صيف 1945 كانت محاصرة بحريا، وسلاحها الجوي شبه معدوم، والاتحاد السوفيتي أعلن الحرب عليها ودخل منشوريا، وهو ما أرعب طوكيو ربما أكثر من القنبلتين ذاتهما وفق بعض المؤرخين.
لكن القنبلتان اختصرتا الحرب، بثمن بشري – مئتا ألف قتيل مدني – سيبقي وصمة عار في جبين الغرب وامريكا ولن تمحوها كل صور النصر.
المفارقة الكبرى أن الانتصار الكامل في 1945 كان في الوقت ذاته نهاية حقبة الانتصارات الامريكية، فمنذ ذلك اليوم، والسؤال المحرج يتجدد مع كل حرب:
هل ربحت الولايات المتحدة – القوة العسكرية الأضخم في تاريخ البشرية – حربا كبرى واحدة؟
الإجابة هي: لا.
وفي نهاية فبراير/شباط 2026، مع اشتعال الشرق الاوسط بالعدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية في إيران، يصبح هذا السؤال أكثر من أكاديمي.
-
سجل الهزائم، من كوريا إلى كابول
– كوريا (1950–1953): النصر الذي لم يكتمل
حين عبرت قوات بيونغ يانغ خط العرض الثامن والثلاثين صيف 1950، أرسل ماكآرثر قواته شمالا وهو الذي أعلنها صريحة أمام الكونغرس:
“في الحرب لا يوجد بديل عن النصر، الخسارة هي الفشل الكامل والتام”
لكن النصر لم يأت ابدا، هدنة في يوليو 1953 عند الحدود ذاتها التي بدأت عندها الحرب، وستة وثلاثون ألف قتيل أمريكي، وشبه جزيرة مقسّمة حتى اليوم بلا معاهدة سلام رسمية، ماكآرثر حينها طالب بتوسيع الحرب إلى الصين فأقاله الرئيس ترومان، وكان جنرال “لا بديل عن النصر” هو من أشعل بتهوّره فتيل التدخل الصيني الذي حوّل الانتصار الوشيك إلى مستنقع.
- فيتنام (1955-1975): الانهيار الكبير
لم تكن فيتنام هزيمة عسكرية فحسب، بل كانت انهيارا في المفهوم الأمريكي للقوة برمّته، خمسة وخمسون ألف قتيل أمريكي، وأكثر من ثلاثة ملايين فيتنامي، وسقوط سايغون “العاصمة السابقة” ودخول جيش الشمال على الشاشات الأمريكية في أبريل 1975، والقيادة الامريكية آنذاك كانت تعلم أن المسار الذي اختارته خاطئ، كما كتب كولن باول وزير الخارجية الأسبق (2001-2005) لاحقا، في مذكراته:
“فيتنام علّمتنا أن إرسال الجنود بأهداف غامضة ودعم متردد يعني التوقيع على شهادة وفاتهم”
- الخليج 1991: الانتصار الأجوف
الاستثناء الوحيد الذي يمكن تسميته انتصارا، هو حرب تحرير الكويت، الذي اعقبها انسحابا نظيفا، والتي لم تسقط نظام البعث وبقي صدام بعدها اثني عشر عاما، عانى فيها الشعب من حصار ظالم قتل مئات الآلاف من المدنيين.
كما ان الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة العربية الذي أفرزته حرب الكويت كان الذريعة الرئيسية لأسامة بن لادن وتنظيم القاعدة، لان النصر العسكري 1991 زرع بذرة كارثة 2001، كما يقول الجنرال أنتوني زيني تشارلز، قائد القيادة المركزية السابق (1997-2000):
“عاصفة الصحراء كان انتصارا تكتيكيا، لكننا لم نفكر في اليوم التالي، ودفعنا الثمن لعقود”
-
أفغانستان (2001-2021): العار الأكبر
عشرون عاما وأكثر من تريليوني دولار، لكن عشرون يوما كانت كافية لعودة طالبان في أغسطس 2021، العقيد المتقاعد والمؤرخ الامريكي اندرو باسيفيتش لخّص الواقع بجملة قصيرة قبل سنوات:
“لم ننتصر في هذه الحرب، ولا نسير نحو الانتصار، وتكرار المحاولة لن ينتج نتائج مختلفة” ونبوءته تحققت بالكامل.
-
العراق (2003 وما بعده): الحرب المبنية على الكذب
بنيت على وهم أسلحة الدمار الشامل، وانتهت بدولة مفككة، واقتصاد مدمر، وشعب منقسم، وحرب أهلية، وعوامل طائفية أدت لظهور داعش، يقول زبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي الامريكي الأسبق(1977-1981):
“أخطاء حرب العراق ليست تكتيكية واستراتيجية فحسب، بل هي تاريخية، إنها في جوهرها حرب استعمارية تخاض في عصر ما بعد الاستعمار”.
-
أسباب الفشل البنيوي
الفخ الأول: التفوق العسكري بلا استراتيجية سياسية
الجيش الأمريكي يكسب المعارك، لكن الحروب الحديثة لا تنتهي بتدمير الجيوش والحسم العسكري، بل تنتهي باتفاقيات سياسية وحكومات شرعية بموافقة شعبية، وهو ما تؤكده مؤسسة الأبحاث والتطوير الامريكية (RAND)، مشيرة الى ان هذا ما يعجز عنه الجيش تماما.
الفخ الثاني: عامل الوقت
خصوم أمريكا اكتشفوا سرّها، وهي النظم الرأسمالية لا تتحمل حروبا طويلة، الفيتناميون الشماليون فهموا هذا في الستينيات، والطالبان كرّروا الدرس، والعراقيون كرسوا المفهوم وكانت استراتيجيتهم ليست هزيمة أمريكا عسكريا، بل إطالة الحرب عليها حتى تهزم نفسها.
الفخ الثالث: غياب اليوم التالي
في الحرب العالمية الثانية كان اليوم التالي للحرب هو “مشروع مارشال” المعروف، اما في العراق وأفغانستان لم يكن ثمة مشروع، بريمر حلّ الجيش العراقي ورمى مئة وخمسة وثمانين ألف مقاتل في الشوارع ليصبحوا نواة التنظيمات الإرهابية المختلفة لاحقا.
الفشل في التخطيط لمرحلة ما بعد الصراع تكرّر مع كل تدخل، وفي كل مرة تقع مسؤوليته على صانعي القرار السياسي، لا على الجيش الذي يتقن المعارك دون أن يملك حق رسم الاستراتيجية حسب معهد هوفر (Hoover Institution) الامريكي للحرب والثورة والسلام.
الفخ الرابع: مرض النصر
الجيش الأمريكي يعيش في نشوة انتصار 1945 التي أوقعته في وهم الحرب التقليدية، بينما خصومه يخوضون حروب لا متناظرة تخاض في الظل وهدفها الاستنزاف، ولا ينفع معها التفوق الجوي والتكنلوجي، كما تؤكد مجلة ذا استراتيجي بريدج الامريكية (The Strategy Bridge).
-
الحرب الراهنة، إيران 2026 في ضوء التاريخ
في الثامن والعشرين من فبراير 2026، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانا، وضربات جوية غير مسبوقة على إيران، استشهد فيها قائد الثورة السيد علي الخامنئي(قده) في اليوم الأول، جاء الهجوم الغادر وسط مفاوضات نووية غير مباشرة برعاية عمانية، مما أثار موجة إدانات دولية واسعة.
واليوم، وبعد أكثر من خمسين يوما ورغم دخول الحرب في هدنة ووقف مؤقت لإطلاق النار، مع استمرار الاعتداءات بوسائل مختلفة (الحصار البحري)، تتكشّف ملامح مشهد يعيد إنتاج كل أخطاء التاريخ بشكل مكثّف.
الموقف الأمريكي: ادعاءات النصر المبكر
في أول خطاب رسمي له بعد بدء العدوان، أعلن ترامب أن الصراع “يقترب من نهايته”، وفي الأسابيع التي تلت الخطاب توعد بإعادة إيران الى “العصر الحجري” في الوقت ذاته الذي وصف فيه العملية بأنها “تكاد تكتمل” هذا التناقض “النصر الوشيك” والتصعيد الوشيك – يذكّر بخطاب بوش الابن على متن حاملة الطائرات في مايو/ايار 2003 ابان احتلال العراق: “المهمة أنجزت”.
لكن الميدان له رواية اخرى، إيران نجحت في تدمير اغلب القواعد الامريكية في الخليج ودمرت منظومات الرادار في قواعد اخرى، واسقطت طائرات مقاتلة متطورة ومئات الطائرات المسيرة باهظة الثمن واحرقت واسقطت العديد من طائرات التزود بالوقود وطائرة اواكس وهي رابضة في قاعدة الأمير سلطان، في نمط ممنهج يستهدف تدمير المنظومة الاستخباراتية الجوية الأمريكية في المنطقة، كما انها وحلفائها وجهوا ضربات مدمرة للكيان الصهيوني.
الاستراتيجية الإيرانية: درس فيتنام
إيران تطبّق بدقة ما تعلّمته من تاريخ أمريكا، فبدلا من الرهان على المواجهة المكشوفة التي ستخسرها حسب موازين القوة، تتبنى استراتيجية متعددة الطبقات:
– الاستنزاف المباشر: ضربات متكررة على القواعد الأمريكية والبنية التحتية لحلفائها، مستهدفة منشآت الطاقة المرتبطة بأمريكا، والهدف ليس الحسم – بل رفع الكلفة.
– تفعيل وحدة الجبهات: إيران اعادت توزيع الصراع عبر حلفائها في لبنان واليمن والعراق، إذ شنت المقاومة مئات العمليات يوميا ضد أهداف أمريكية وصهيونية في فلسطين والعراق والخليج والأردن، مما شكل ضغطا هائلا على القوى المعتدية.
– مضيق هرمز: إغلاق مضيق هرمز هو السلاح الاقتصادي الأقوى، فمنذ إغلاقه في الرابع من مارس، انهار إنتاج النفط الخليجي بما لا يقل عن عشرة ملايين برميل يوميا، وتوقف ما يزيد على سبعين بالمئة من واردات الغذاء للمنطقة، وارتفع أسعار الخام الى اكثر مئة وعشرين دولارا للبرميل.
-
اعراب الخليج، خسائر جانبية
دول الخليج لم تكن طرفا في اتخاذ قرار الحرب كما تدعي – بل لم تبلَّغ مسبقا بعملية “الغضب الملحمي!!” رغم أنه كان واضحا أنها ستكون أول أهداف الرد الإيراني، مسؤولون خليجيون أعربوا عن غضبهم من غياب التشاور، وأحد المسؤولين قال إن قادة الخليج “غاضبون لأن الجيش الأمريكي لم يحمهم بما يكفي” حسب مركز الأبحاث الاستراتيجية الامريكي (TSC).
كما ان مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (ME Council) ومقره قطر حذّر من ان الانجرار إلى حرب استنزاف مع إيران يذكّر بحرب الخليج الأولى في الثمانينيات التي استمرت ثماني سنوات وخلّفت مئات الآلاف من القتلى وأضرارا اقتصادية استغرق الانتعاش منها عقودا، ومن الواضح ان الكلفة اليوم أضخم بما لا يقاس، نظرا لعمق اندماج اقتصادات الخليج في الأسواق العالمية.
العراق في وضع مأزوم بامتياز: بغداد التي تسعى بلا جدوى للحياد تجد نفسها محرجة بين المقاومة الاسلامية المؤيدة والمتحالفة مع إيران والتي انخرطت بالفعل في العمليات العسكرية، وبين ضغوط خليجية وأمريكية لوقف هذه العمليات، فيما يبقى اغلب الساسة العراقيون (خاصة الشيعة منه) يلازمون التل!! وكأن الامر لا يعنيهم.
تفكك الناتو وتشقق الجبهة الغربية
إسبانيا وفرنسا وإيطاليا أغلقت أجواءها أمام العمليات الأمريكية وقيّدت الدعم اللوجستي – في سابقة نادرة داخل حلف الناتو.
بريطانيا التي أعلنت رفضها الانخراط في هذه الحرب استضافت اجتماعا لخمسة وثلاثين دولة لبحث إعادة فتح هرمز.
الصين وباكستان قدّمتا خطة سلام خماسية.
وأمريكا تخوض حربا بعزلة دبلوماسية متصاعدة.
-
هل تتكرر الأخطاء؟
المقارنة التاريخية:
الأهداف المتغيرة باستمرار كما في كل حرب أمريكية كبرى، فأن الإدارة الأمريكية قدّمت تبريرات متعددة ومتغيّرة لبدء العدوان، منها منع إيران من ضرب إسرائيل، تدمير قدراتها الصاروخية، منعها من امتلاك سلاح نووي، تأمين النفط، وتغيير النظام، وأخيرا فتح مضيق هرمز! وهي أهداف متناقضة تكشف غياب استراتيجية موحّدة.
“النصر الوشيك” ذاته الذي يتكرر في كل مرة، كما قال ترامب في اليوم الرابع والثلاثين إن الحرب “تقترب من نهايتها”، لكن إيران ترفض أي تفاوض وثقتها بواشنطن “تساوي صفرا” وفق وزير خارجيتها.
مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية (ME Council) يلخّص المأزق الأمريكي ببساطة وهو ان الضربات الجوية وحدها لم تسقط نظاما راسخا في أفغانستان ولا في العراق ولا في ليبيا ولا في سوريا، ولا يمكن تحقيق ذلك دون حضور بري طويل الأمد وكلفة سياسية وعسكرية باهظة – والتاريخ يؤكد ان هذه كلفة لا يمكن لأي قوى عظمى تحمّلها.
-
اخيرا: بين التاريخ وحرب اليوم
ترامب في خطابه في الأول من أبريل استدعى مقارنات بحروب أمريكية سابقة ليبرهن على “سرعة” العملية الراهنة – متجاهلا أن هذه الحروب ذاتها مقبرة الجيش الأمريكي والتاريخ الذي يستشهد به بالضبط هو التاريخ الذي يدين منهجه.
أمريكا 2026 تقف عند مفترق طرق حاد:
إما أن تثبت، للمرة الأولى منذ 1945، أنها تعلّمت كيف تترجم التفوق العسكري إلى نصر استراتيجي مستدام.
أو قوم بإضافة إيران إلى قائمة هزائمها المتكررة والمدوية كما في كوريا وفيتنام والعراق وأفغانستان.
والفارق هذه المرة أن الثمن ربما سيكون هو الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، كما ان الثمن لن تدفعه أمريكا وحدها، بل سيدفعه الخليج ويدفعه العراق والشرق الأوسط برمته ويدفعه الاقتصاد العالمي أيضا، والحرب التي لم ترغب بها دول المنطقة ستكون محرقة للمنطقة كلها.
وكما قال العقيد أندرو باسيفيتش، عن الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط
“ليس ثمة وعد بالنصر، لا أحد يستطيع حتى أن يُعرّف ما الذي سيسمّى نصرا”
وهذا القول ينطبق اليوم على واقعنا أكثر من أي وقت مضى.


