«دولرة» الرواتب في العراق بين استعادة ذاكرة سلطة الائتلاف وتداعيات الواقع الاقتصادي

«دولرة» الرواتب في العراق بين استعادة ذاكرة سلطة الائتلاف وتداعيات الواقع الاقتصادي
قد توفر دولرة الرواتب حماية مؤقتة للقوة الشرائية، لكنها تحمل مخاطر تعميق الاعتماد على الدولار، وزيادة هشاشة المالية العامة أمام الصدمات النفطية، وتوسيع التفاوت الاجتماعي؛ ما يجعل الإصلاح المالي والنقدي وتعزيز الإنتاج المحلي بديلاً أكثر استدامة...

تطفو على سطح النقاش الاقتصادي العراقي دعوات ومقترحات تناقش إمكانية توفير الحماية للقوة الشرائية للمواطنين من خلال توزيع رواتب الموظفين بالدولار الأمريكي بدلاً من الدينار. تُعيد هذه الأفكار إلى الأذهان حقبة سلطة الائتلاف المؤقتة (2003–2004) بقيادة بول بريمر، حينما كانت السيولة النقدية الأجنبية تُضخ مباشرة لتغطية النفقات التشغيلية.

تتطلب مناقشة هذا المقترح تحليلًا اقتصاديًا يحاذي الواقع الهيكلي للاقتصاد العراقي و لتوضيح الإيجابيات والسلبيات المنظورة، والأثر المباشر على السوق المحلية، وصولاً إلى التبعات المالية الخطيرة على الموازنة العامة للدولة.

أبعاد الخلفية التاريخية نموذج بريمر ومفهوم «الدولرة الشاملة»

عقب عام 2003، اعتمدت إدارة بول بريمر على ضخ العملة الورقية الأمريكية المباشرة لدفع الأجور والإنفاق. كان الهدف الأساسي حينها معالجة انهيار السياسة النقدية السابقة وإنشاء نظام مالي جديد.

لكن تطبيق هذا المفهوم في اقتصاد مستقر مؤسساتياً يُعرف بـ «الدولرة الشاملة»  وهو خيار نلجأ إليه عادة عند الفقدان التام للثقة بالعملة الوطنية فان أسباب واستحقاقات هذا النموذج تتفاوت بشكل جذري عن وضع العراق الراهن، الذي يمتلك بنكاً مركزياً  واحتياطيات أجنبية مستقلة.

الإيجابيات المحتملة (على المدى القصير)

١- حماية القوة الشرائية لشريحة الموظفين يحمي المقترح الموظف والمتقاعد من التقلبات المستمرة في سعر الصرف الموازي والتضخم السلعي المقوم أساساً بالدولار.

٢-  زيادة عرض الدولار النقدي في السوق ضخ ملايين الدولارات شهرياً بين أيدي المواطنين يزيد العرض النقدي التداولي، مما يقلل الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي.

٣-  تخفيف الضغط على نافذة بيع العملة وصول الدولار الكاش إلى المواطن المباشر قد يقلل احتكار البنوك والشركات الاستثمارية للعملة الأجنبية.

السلبيات والمخاطر الهيكلية (على المدى المتوسط والطويل)

١-  استنزاف احتياطيات البنك المركزي اذ  بلغت فاتورة الرواتب الشهرية في العراق مستويات مرتفعة تتجاوز 5 مليارات دولار. سداد هذه المبالغ نقداً بالعملة الصعبة كفيل بإحداث تآكل سريع في احتياطي البنك المركزي.

٢-  التنازل عن السيادة النقدية اعتماد الدولار للرواتب يعني فقدان البنك المركزي أداة «السياسة النقدية»، والتعثر في إدارة معدلات الفائدة وضبط الكتلة النقدية المحلية.

٣-   تخفيض الطلب على الدينار وتعميق «الدولرة»: تحويل التعاملات بالكامل إلى العملة الأجنبية يضعف ثقة المتعاملين بالدينار العراقي، مما يقلص استخداماته إلى حدود سيئة للغاية.

٤-  صعوبات لوجستية وتنظيمية اذ  يتطلب تسديد الرواتب نقداً بالدولار شحنات ورقية ضخمة وتغطية مستمرة من الفيدرالي الأمريكي، وهو ما يتضمن قيوداً وشروطاً نقدية معقدة.

التبعات المالية للموازنة العامة (المخاطر الهيكلية على المالية العامة)

تتحمل الموازنة العامة العراقية أعباء ضخمة نتيجة تضخم حجم القطاع العام وارتفاع النفقات التشغيلية (الرواتب والأجور والرعاية الاجتماعية) التي تمثل النسبة الأكبر من الإنفاق الحكومي. فرض نظام “دولرة الرواتب” يرتّب تبعات مالية بالغة الخطورة على هيكل الموازنة كالتالي:

١- فقدان مرونة إدارة الإيرادات النفطية والتحوط: تُجبى إيرادات الدولة العراقية بالدولار نتيجة بيع النفط، بينما تُصرف الموازنة بالدينار. هذا الفارق كان يمنح الحكومة مرونة محاسبية في تمويل العجز عبر طباعة النقد محلياً أو تدوير الديون الداخلية. أما تحويل النفقات (الرواتب) إلى دولار صريح، فيعني مطابقة تامة بين الإيرادات والنفقات بالعملة الصعبة، مما يلغي أي هامش للمناورة المالية عند هبوط أسعار النفط العالمية.

٢ – عجز الموازنة المزمن وفخ الاقتراض الخارجي: إذا انخفضت أسعار النفط أو تقلصت الصادرات، ستعجز الحكومة عن تلبية فاتورة الرواتب بالدولار لعدم قدرتها على “الطباعة” (إذ إن الدولار عملة أجنبية لا تملك الدولة حق إصدارها). هذا سيجبر الحكومة حتماً على اللجوء إلى الاقتراض الخارجي المكثف أو الديون الدولية بفوائد عالية، مما يدخل البلاد في أزمات مديونية سيادية خانقة.

٣ –  تآكل القدرة الاستثمارية للموازنة: إن التزام الحكومة بدفع رواتب مقومة بالدولار لشريحة واسعة يعني تخصيص الكتلة الأغلب من الإيرادات للجانب الاستهلاكي (التشغيلي)، مما يؤدي إلى تصفير النفقات الاستثمارية المخصصة للبنى التحتية، والمشاريع التنموية، والخدمات الأساسية (كالكهرباء والصحة والتعليم).

٤-  مخاطر سعر الصرف المزدوج على الإيرادات غير النفطية: في حال تم اعتماد الرواتب بالدولار بينما تُحصى رسوم الدولة والضرائب والخدمات المحلية (كالجمارك والضرائب وخدمات البلديات) بالدينار المتدهور، ستنشأ فجوة إيرادية هائلة؛ حيث تجبي الدولة إيرادات محلية ضعيفة القيمة وترتفع التزاماتها الخارجية والمحلية (الرواتب) بقيمة دولارية مرتفعة، مما يؤدي إلى انهيار مالي سريع في توازن الموازنة.

الأثر المباشر على السوق العراقي

و الأثر المتوقع على أسعار السلع والاستهلاك و استقرار نسبي لمبيعات المستهلكين المعتمدة على الاستيراد الذي يقابله تضخم ناتج عن فرض التجار للأسعار بالدولار كعملة أساسية للتعامل.

القطاع غير الحكومي والفقراء  إيجاد فجوة طبقية حادة فشريحة الموظفين والمتقاعدين ستحصل على عملة قوية، بينما يعاني العمال والكسبة في القطاع الخاص من انخفاض القوة الشرائية للدينار.

المضاربات وسوق الصرف  هبوط سعر الدولار في المدى القصير لكثرة المعروض، يُتبعه عدم استقرار شديد حال تسرب هذا النقد الخارجي للتجارة غير المشروعة أو التهريب.

 خلاصة ورؤية أكاديمية

إن معالجة أزمات الفجوة في سعر الصرف لا تتم عبر «دولرة الرواتب» لما تسببه من إضعاف للهوية الاقتصادية الوطنية و استنزاف للسيادة النقدية وإيقاع الموازنة العامة في فخ العجز الهيكلي وعدم القدرة على مواجهة الصدمات النفطية.

الحل الأكاديمي والواقعي يستوجب تنويع مصادر الدخل القومي وضبط المنافذ الحدودية ودعم الإنتاج المحلي إلى جانب تحسين آليات السياسة النقدية للسيطرة على السوق الموازي وحماية الدينار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *