يُعدّ تغير سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، ولا سيما الدولار الأمريكي، من العوامل المؤثرة في الاقتصاد الوطني، لما له من انعكاسات مباشرة على القطاعات الإنتاجية والصناعية والتجارية، فضلاً عن تأثيره في الأسعار ومستوى المعيشة والقدرة الشرائية للمواطنين. وتزداد أهمية هذا الموضوع في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد بصورة واسعة، كما هو الحال في العراق.
وعادةً ما يحدث خفض قيمة العملة المحلية نتيجة دوافع اقتصادية مختلفة، أبرزها حاجة الدولة إلى معالجة ضائقة مالية أو عجز في الموازنة، أو ضمن سياسة اقتصادية تهدف إلى تعزيز تنافسية الصادرات، كما شهدت بعض التجارب الآسيوية، ومنها الصين في مراحل معينة. وقد يأتي أيضاً في سياق برامج الإصلاح الاقتصادي التي تتبناها مؤسسات بريتون وودز، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي ارتبطت سياساتها في العديد من الدول بتوجهات التحرير الاقتصادي وتقليص تدخل الدولة وتوسيع دور القطاع الخاص. لكن من الضروري التمييز بين توصيات هذه المؤسسات والقرارات السيادية التي تتخذها الحكومات، إذ لا يمكن الجزم بوجود تدخل مباشر في تحديد سعر الصرف من دون أدلة واضحة.
لقد أشرنا سابقاً إلى أن الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي يعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيرادات الموازنة العامة، وهي نسبة تعكس اختلالاً هيكلياً كبيراً عجزت الحكومات المتعاقبة عن معالجته من خلال تنويع مصادر الإيرادات وتطوير القطاعات غير النفطية. وقد أكد صندوق النقد الدولي، في تقريره لعام 2025، استمرار هذه التبعية، متوقعاً بقاء الإيرادات النفطية عند أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية خلال السنوات المقبلة.
وللأسف، مرّ العراق بأزمات مالية متكررة بسبب هذا الاعتماد، ومنها أزمة انخفاض أسعار النفط خلال عامي 2014 و2015، عندما تراجعت الأسعار العالمية بشدة، ووصلت في مطلع عام 2016 إلى مستويات قاربت 27 دولاراً للبرميل، مما اضطر الدولة إلى اللجوء إلى مواردها المالية والاحتياطيات المتاحة لتغطية جانب من التزاماتها.
أما الأزمة الحالية المرتبطة بالحرب الدائرة في المنطقة واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، فقد كشفت مجدداً هشاشة الاقتصاد العراقي أمام الصدمات الخارجية. فالعراق كان يصدر قبل الحرب أكثر من 3.3 ملايين برميل يومياً، لكن اضطراب طرق التصدير أدى إلى انخفاض الكميات بصورة حادة، قبل أن تتعافى جزئياً إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً خلال آب 2026. وهذه التقلبات تكشف حجم المخاطر التي تواجه الموازنة عندما يتعطل المنفذ الرئيس لتصدير النفط.
كان يفترض أن نتعلم من الأزمة الأولى، لكننا اليوم أمام أزمة جديدة من سلسلة أزمات متشابهة. ولعل السؤال الذي ينبغي طرحه هو: كم أزمة يحتاج العراق حتى يؤسس لاقتصاد يستطيع تجنب تكرار هذه الاختناقات المالية؟ وهل من مُدَّكِر؟
إن تراجع الإيرادات النفطية يضع الحكومة أمام مشكلة حقيقية في تمويل نفقاتها، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين، خصوصاً مع التوسع المستمر في التوظيف الحكومي الذي لم يستند دائماً إلى الحاجة الفعلية للمؤسسات العامة، بقدر ما تأثر في بعض مراحله بالحسابات السياسية والانتخابية.
وقد اتجهت الدولة إلى أدوات تمويلية قصيرة الأجل، منها إصدار السندات وحوالات الخزينة والاقتراض الداخلي، لتوفير السيولة اللازمة. كما أصبح تعديل سعر صرف الدينار إحدى الوسائل المستخدمة للتخفيف من الضغوط المالية.
وفي السابع من تشرين الأول 2026، تقرر خفض قيمة الدينار أمام الدولار، ليصبح سعر شراء الدولار من وزارة المالية 1500 دينار، وسعر بيعه للجمهور عبر المصارف 1520 ديناراً، مقارنة بسعر البيع الرسمي السابق البالغ 1320 ديناراً. ويتيح هذا الإجراء للخزينة الحصول على دنانير إضافية مقابل الإيرادات النفطية الدولارية، لكنه لا يمثل زيادة حقيقية في قيمة تلك الإيرادات أو في الثروة الوطنية.
ومن المعروف أن تخفيض سعر الدولار سابقاً من 1450 إلى 1320 ديناراً أدى إلى تقليص المقابل الديناري للإيرادات النفطية، وهو ما شكّل ضغطاً إضافياً على الحسابات المالية للحكومة. وتُطرح في هذا السياق تقديرات عن خسارة الخزينة أكثر من 20 تريليون دينار، إلا أن تحديد الأثر الفعلي يستلزم احتساب الإيرادات الدولارية التي حُوّلت خلال الفترة المعنية، والتغيرات المصاحبة في النفقات والالتزامات.
وعلى الرغم من المكاسب التي قد تحققها الحكومة من خفض قيمة الدينار، فإن لهذا الإجراء آثاراً اقتصادية واجتماعية واسعة، وسنركز هنا على الجانب الاجتماعي، باعتباره الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطن.
أولى هذه الآثار ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الأساسية المستوردة، إلى جانب زيادة تكاليف الإنتاج والنقل وبعض الخدمات. فارتفاع الدولار يعني أن المستورد يحتاج إلى دنانير أكثر لشراء الكمية نفسها من السلع، وتنتقل هذه الزيادة تدريجياً إلى الأسواق، وإن اختلف حجم تأثيرها بحسب طبيعة السلعة ومدى اعتمادها على الاستيراد.
وقد يؤدي ذلك إلى تسارع التضخم، وزيادة الميل إلى تسعير السلع بالدولار أو ربط أسعارها بحركته، وهي الظاهرة المعروفة بالدولرة. وكلما توسعت هذه الممارسة، أصبحت الأسواق المحلية أكثر حساسية لتقلبات العملة الأجنبية، وتراجعت قدرة الدينار على أداء دوره المستقر في التسعير والادخار.
لكن النقطة الأهم اجتماعياً تتعلق برواتب الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخول الثابتة. فهذه الدخول لا ترتبط تلقائياً بمعدلات التضخم، مما يعني أن أي ارتفاع في الأسعار يؤدي إلى انخفاض قيمتها الحقيقية حتى لو بقيت أرقام الرواتب من دون تغيير.
وقد أوضحنا في مقال سابق أن رواتب الموظفين تآكلت قيمتها الشرائية منذ صدور قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم 22 لسنة 2008 والتعديلات اللاحقة، نتيجة التغيرات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة. وتذهب بعض التقديرات إلى أن هذا التآكل بلغ نحو 50% لفئات معينة، وإن كانت النسبة الدقيقة تحتاج إلى قياس يستند إلى تطور الأسعار والرواتب الفعلية خلال الفترة المذكورة.
ومن المهم هنا توضيح أن انخفاض قيمة الدينار لا يعني بالضرورة انخفاض القوة الشرائية للراتب بالنسبة نفسها، لأن أثر سعر الصرف يتوقف على مقدار انتقاله إلى الأسعار المحلية. ومع ذلك، فإن النتيجة المؤكدة هي تعرض أصحاب الدخول الثابتة لضغوط معيشية إضافية، خصوصاً عندما ترتفع أسعار الاحتياجات الأساسية التي لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها.
وهذه المسألة لا تتوقف عند الموظف وعائلته، وإنما تمتد إلى النشاط الاقتصادي بأكمله. فالمتابع البسيط للأسواق العراقية يستطيع ملاحظة الفرق بين حركة البيع والشراء في بداية الشهر ومنتصفه. إذ تنشط الأسواق عادةً بعد توزيع الرواتب، ثم تتراجع الحركة تدريجياً مع انخفاض السيولة المتاحة لدى الأسر.
وهذه الظاهرة تكشف مدى اعتماد النشاط التجاري المحلي على الإنفاق الاستهلاكي الممول من الرواتب الحكومية. فإذا تراجعت القدرة الشرائية، فإن المواطن سيعيد ترتيب أولوياته، ويقلص مشترياته من الملابس والأجهزة المنزلية والسلع غير الضرورية، وربما يضطر إلى تخفيض إنفاقه على بعض الاحتياجات الأساسية.
وعندها لن يكون الموظف وحده هو المتضرر، بل سيتأثر البقال وصاحب محل الألبسة وبائع الأجهزة وأصحاب المهن والخدمات، نتيجة تراجع الطلب على منتجاتهم. وقد ينعكس ذلك على أرباح المشروعات الصغيرة وقدرتها على دفع الأجور والمحافظة على العاملين فيها.
وإذا استمرت هذه الحالة، فقد يتزامن ارتفاع الأسعار مع تباطؤ النشاط التجاري والإنتاجي، وهو ما يزيد الضغوط الاجتماعية، وخصوصاً على الأسر محدودة الدخل والعاملين في القطاع الخاص. كما قد تتسع الفجوة بين الفئات التي تمتلك أصولاً أو مدخرات بالعملة الأجنبية والفئات التي تعتمد بصورة كاملة على دخل شهري ثابت بالدينار.
ولتخفيف هذه الآثار، لا بد من اعتماد حزمة إجراءات اقتصادية مترابطة، تبدأ بدراسة رفع أسعار الفائدة على الودائع بالدينار بصورة مدروسة، لتعزيز الثقة بالعملة المحلية وتشجيع الادخار بها. لكن هذه الأداة ينبغي استخدامها بحذر، لأن الرفع المفرط للفائدة قد يزيد تكاليف الاقتراض ويضعف النشاط الاستثماري.
كما يمكن اتخاذ إجراءات مؤقتة ومنضبطة للحد من التدفقات المالية المضاربية إلى الخارج، مع المحافظة على التحويلات التجارية المشروعة وعدم الإضرار بثقة المستثمرين. ويجب أن يقترن ذلك بضبط العجز المالي من خلال تقليص الإنفاق الحكومي غير الضروري، وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي والجمركي، بدلاً من تحميل أصحاب الدخول المحدودة أعباء ضريبية إضافية.
ومن الضروري أيضاً ترشيد استيراد السلع الكمالية باستخدام أدوات تجارية تتفق مع التزامات العراق الاقتصادية، مع تسهيل استيراد المواد الأساسية ومدخلات الإنتاج. فالمقصود ليس إغلاق الأسواق، وإنما تخفيف الطلب غير الضروري على العملات الأجنبية من دون التسبب بنقص السلع أو ارتفاع أسعارها بصورة أكبر.
وفي الوقت نفسه، ينبغي دعم المنتجين المحليين وتوفير متطلبات زيادة الإنتاج والصادرات غير النفطية، وتحسين بيئة الأعمال لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر القادر على توفير فرص العمل والتكنولوجيا والتمويل المستقر.
ويبقى تنويع مصادر الدخل الوطني من خلال تطوير الصناعة والزراعة والخدمات الإنتاجية الإجراء الأهم على المدى الطويل، لأنه يعالج أصل المشكلة المتمثل في الاعتماد المفرط على النفط، ويقلل حساسية الاقتصاد لتقلبات الإيرادات وأسعار الصرف.
ولا بد أن ترافق هذه السياسات حماية اجتماعية مباشرة للفئات الأكثر تأثراً، من خلال الحفاظ على انتظام الرواتب والتقاعد، وتحسين فاعلية البطاقة التموينية، وتوجيه الدعم إلى الأسر محدودة الدخل، مع مراقبة الأسعار ومنع الممارسات الاحتكارية التي قد تستغل تغير سعر الصرف لتحقيق أرباح غير مبررة.
إن خفض قيمة العملة المحلية قد يمنح الحكومة متنفساً مالياً مؤقتاً، لكنه لا يستطيع معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد العراقي. وإذا كانت الخزينة تحصل على دنانير إضافية نتيجة هذا القرار، فإن المواطن قد يدفع جانباً من كلفته من قدرته الشرائية ومستوى معيشته.
ولهذا فإن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يُقاس بقدرة الحكومة على تمويل نفقاتها فقط، وإنما بقدرتها على حماية الاستقرار الاجتماعي واستمرار النشاط الاقتصادي. فالدولة التي تعالج أزمتها المالية على حساب دخول المواطنين قد تنقل الأزمة من الموازنة العامة إلى الأسواق والأسر، لتواجه لاحقاً مشكلة اقتصادية واجتماعية أشد تعقيداً.
إن الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه من الأزمات المتكررة هو أن استقرار الدينار لا يمكن فصله عن استقرار الاقتصاد الوطني، وأن حماية الرواتب الحقيقية تتطلب إنتاجاً محلياً قوياً وموارد مالية متنوعة وسياسات لا تجعل المواطن يتحمل وحده نتائج الاختلالات الاقتصادية المتراكمة.


