تُعدّ السياسة النقدية، ولا سيما إدارة سعر الصرف، من أكثر أدوات السياسة الاقتصادية حساسية في الاقتصادات الريعية المعتمدة على تصدير الموارد الطبيعية. وفي الحالة العراقية، يمثل رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، أي خفض القيمة الاسمية للعملة المحلية، إجراءً ذا أبعاد مالية واقتصادية واجتماعية متداخلة؛ فهو يحسّن قدرة الحكومة على تمويل نفقاتها بالدينار من جهة، ويؤثر في القوة الشرائية للمواطن ومستويات الرفاه الاجتماعي من جهة أخرى. وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة، مقابل اعتماد الأسواق المحلية على الاستيراد لتلبية جانب واسع من احتياجاتها.
أولاً: الأثر في المالية العامة للحكومة العراقية
تعتمد الموازنة العامة العراقية بصورة أساسية على العوائد النفطية المقوّمة بالدولار الأمريكي، مما يجعل سعر الصرف عاملاً مؤثراً في حجم الإيرادات الحكومية المحوّلة إلى الدينار. فعندما يرتفع سعر الدولار، تزداد الحصيلة الدينارية للإيرادات النفطية حتى مع ثبات قيمتها بالدولار، وهو ما يوسع الحيز المالي المتاح للحكومة، ويساعد وزارة المالية على تغطية النفقات التشغيلية الأساسية، وفي مقدمتها الأجور والرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية.
ومن الناحية المالية، يتيح هذا الإجراء تخفيف ضغوط السيولة وتقليص الحاجة إلى بعض أشكال التمويل بالعجز، ولا سيما الاقتراض الداخلي، لكنه لا يمثل زيادة حقيقية في الثروة الوطنية أو الإيرادات النفطية ذاتها. كما أن أثره في العجز المالي يتوقف على طبيعة النفقات العامة، إذ إن الالتزامات المقوّمة بالدولار وتكاليف المشتريات الحكومية المستوردة ترتفع قيمتها بالدينار بالتزامن مع تغير سعر الصرف.
وقد يسهم ارتفاع كلفة الاستيراد في الحد من بعض أوجه الطلب على السلع الأجنبية، بما يخفف الضغط على النقد الأجنبي، غير أن هذه النتيجة ليست مضمونة في اقتصاد يعتمد على الواردات لتأمين احتياجات أساسية يصعب الاستغناء عنها. ولذلك لا يمكن افتراض أن خفض قيمة الدينار سيؤدي تلقائياً إلى حماية الاحتياطيات الأجنبية أو تحسين جميع مؤشرات الاستقرار المالي والنقدي.
وتبقى المكاسب المتحققة للحكومة قصيرة الأجل ومحدودة الأثر الهيكلي ما لم تُوظّف في معالجة الاختلالات التي تعاني منها المالية العامة، وفي مقدمتها الاعتماد المفرط على النفط، واتساع النفقات الجارية، وضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية غير النفطية في توليد الإيرادات وفرص العمل.
ثانياً: الأثر في المواطن والمستوى المعيشي
في المقابل، تنتقل آثار ارتفاع سعر الدولار إلى الأسواق المحلية من خلال ما يُعرف بانتقال تغيرات سعر الصرف إلى الأسعار، وما يرتبط به من تضخم مستورد. ونظراً إلى محدودية القاعدة الإنتاجية المحلية واعتماد العراق الواسع على السلع الغذائية والاستهلاكية ومدخلات الإنتاج المستوردة، فإن انخفاض قيمة الدينار يرفع الكلفة المحلية لهذه الواردات، بدرجات تتفاوت بحسب طبيعة السلعة وهيكل السوق ومدى المنافسة وتوافر المخزون.
وتكمن الخطورة الاجتماعية في أن ارتفاع الأسعار لا يقابله بالضرورة ارتفاع مماثل في الأجور والدخول. فالموظفون والمتقاعدون وأصحاب الدخول الثابتة والعاملون في القطاع الخاص غير المنظم يكونون أكثر تعرضاً لتآكل القوة الشرائية، خصوصاً عندما تتركز نفقاتهم على الغذاء والسكن والصحة والنقل. وقد يؤدي استمرار هذه الضغوط إلى زيادة هشاشة الأسر محدودة الدخل، وارتفاع مخاطر الفقر، واتساع الفوارق المعيشية بين الفئات الاجتماعية.
ويمتد التأثير إلى المدخرات الشخصية المقوّمة بالدينار، إذ يؤدي ارتفاع الأسعار إلى انخفاض قيمتها الشرائية الحقيقية. وقد يدفع القلق من استمرار تراجع العملة بعض الأفراد والشركات إلى زيادة حيازاتهم من الدولار أو الاتجاه نحو الذهب والعقارات بوصفها وسائل لحفظ القيمة. ومع اتساع هذه السلوكيات، قد يتزايد الطلب على العملات الأجنبية والأصول البديلة، بما يضيف ضغوطاً إلى سوق الصرف ويؤثر في توجيه المدخرات بعيداً عن الأنشطة الإنتاجية.
ولا تقتصر الانعكاسات الاجتماعية على المستهلكين، فارتفاع تكاليف المواد الأولية والمعدات المستوردة يضغط أيضاً على المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وقد يضعف قدرتها على التوسع والتشغيل إذا تعذر عليها تمرير الزيادة في التكاليف إلى أسعار منتجاتها. وهكذا يمكن أن تتزامن المكاسب المالية للحكومة مع ضغوط تضخمية وتباطؤ في بعض الأنشطة الاقتصادية المحلية.
ثالثاً: التوازن بين الاستقرار المالي والمجتمعي
إن إدارة سعر الصرف تمثل أداة ذات آثار متباينة؛ فبينما تمنح الحكومة هامشاً مالياً يساعدها على مواجهة ضغوط الموازنة، فإنها قد تنقل جزءاً من كلفة المعالجة إلى المواطنين، ولا سيما الفئات الفقيرة والمتوسطة. وتزداد حدة هذه المفاضلة عندما تكون النفقات الحكومية الأساسية صعبة التخفيض في الأجل القصير، في مقابل محدودية قدرة الأسر على التكيف مع ارتفاع الأسعار.
وقد تجسدت هذه الإشكالية في تعديل سعر الصرف الرسمي الذي دخل حيز التنفيذ في السابع من تشرين الأول 2026، عندما ارتفع سعر بيع الدولار للجمهور من 1320 إلى 1520 ديناراً، في ظل الضغوط على الإيرادات النفطية الناجمة عن اضطراب التصدير. ويؤكد هذا التطور أن معالجة أزمة السيولة العامة قد تترتب عليها تكاليف معيشية تستدعي إجراءات موازية لحماية الاستقرار الاجتماعي.
ولتحقيق توازن واقعي بين المتطلبات المالية والاجتماعية، ينبغي ألا يقتصر الإصلاح على تعديل سعر الصرف، بل أن يقترن بسياسات مالية تقلص أوجه الإنفاق غير المنتج، وتحافظ على فاعلية شبكات الحماية الاجتماعية، وتوجه الحيز المالي الإضافي نحو الاستثمار الرأسمالي والبنية التحتية. كما يتطلب ذلك تحسين بيئة الأعمال ودعم القطاعات الإنتاجية المحلية، بما يساعد القطاع الخاص على امتصاص الصدمات وتوسيع فرص التشغيل وتقليل الاعتماد على الواردات.
ويظل نجاح هذه السياسات مرهوناً بكفاءة المؤسسات العامة وقدرتها على تحويل المكاسب المالية المؤقتة إلى طاقات إنتاجية مستدامة. فإعادة توزيع الموارد داخل الموازنة، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي لمعالجة الاختلال الاقتصادي ما لم ترتبط بزيادة الإنتاجية وتنويع الإيرادات وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في النشاط الاقتصادي.
وعليه، فإن تقييم قرار تعديل سعر الصرف في العراق ينبغي أن يستند إلى أثره الصافي في الاقتصاد، لا إلى مقدار الزيادة الحسابية في الإيرادات الدينارية وحدها. فقد يتحسن الوضع المالي للحكومة على المدى القصير، لكن استمرار التضخم وتآكل الدخول الحقيقية قد يضعفان النشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، ويحدّان من جدوى المكاسب المتحققة.
إن التحدي الأساسي أمام السياسة الاقتصادية العراقية يتمثل في تحقيق استقرار مالي لا يأتي على حساب الاستقرار المعيشي، وفي تحويل تعديل سعر الصرف من إجراء لمعالجة ضغوط الموازنة إلى فرصة لدعم إصلاح اقتصادي أوسع. فالقوة الحقيقية للعملة الوطنية لا تستمد من سعرها الاسمي وحده، وإنما من متانة الاقتصاد الذي تستند إليه، وقدرته على الإنتاج وتوليد الدخل وحماية القوة الشرائية للمواطنين.


