تشهد سوريا اليوم ما يمكن تسميته بـ “المرحلة الرمادية” من تاريخها الحديث، فلا هي خرجت من الحرب، ولا هي استقرت على ملامح نظام جديد، إنها مرحلة “فرز الرايات”، حيث تتقاطع الأجندات المحلية والإقليمية والدولية لرسم مستقبل مبهم، يتأرجح بين مخاض الحرب الاهلية والتقسيم المرجح، وبين احتمال تدحرج الانهيار، الى حرب إقليمية طاحنة، ستغير خريطة المشرق العربي.
الوضع السوري، الذي تجاوز ثنائية النظام والمعارضة بعد سقوط الاسد، بات يقرأ من خلال اليات خطيرة جدا، تشمل تحطيم البنى التقليدية للدولة الوطنية، وإعادة تركيب المجتمع على أسس اثنية، وطائفية، وظيفية، وتدويل القرار السيادي، ومع هذا المشهد المعقد، كيف ستكون الانعكاسات على الاقليم ودول الجوار؟، وما هي السيناريوهات المحتملة لسوريا ما بعد الدولة؟
• خريطة الداخل السوري:
– سلطة سنّية! في دمشق:
أواخر العام الماضي، وبدعم تركي مباشر، وتأييد غربي إسرائيلي!، تمكن تنظيم القاعدة في بلاد الشام “جبهة النصرة” بقيادة أبو محمد الجولاني من الاستيلاء على السلطة في دمشق، بعد انهيار الجيش وهروب الأسد، لكن هذه الجماعات التكفيرية لم ترث الدولة، بل ورثت أشلاءها، بعد حرب اهلية استمرت 14 سنة، ورغم اكتسابها اعترافا دوليا سريعا ومخططا، لا تزال هذه الجماعات الإرهابية عاجزة بنيويا عن فرض هيمنتها، وتواجه تحديات مناطقية وأمنية تجعلها أقرب إلى كيان وظيفي محدود منه إلى حكومة حقيقية تسيطر على كامل التراب السوري.
– المنطقة الدرزية:
في الجنوب، تواجه السلطة الجديدة مقاومة مسلحة متصاعدة من أبناء الطائفة الدرزية في محافظة السويداء، وهي منطقة كانت تحظى سابقا بحماية إسرائيلية!، لكن التطورات الأخيرة تكشف عن تحول جذري في المشهد، إذ أشارت تقارير إعلامية إلى لقاء جرى في أذربيجان بين أبو محمد الجولاني ومسؤولين إسرائيليين، نوقش فيه مستقبل الجنوب السوري، وتحديدا ملف السويداء.
وتؤكد المعلومات إلى أن إسرائيل منحت ضوءا أخضر، لتنفيذ حملة عسكرية ضد المدينة، في مقابل ترتيبات أمنية تتعلق بملف الحدود ومناطق النفوذ، وفعلا، بدأت الجماعات التكفيرية بشن هجوم واسع على السويداء، في مشهد أثار استغراب الجميع، خصوصا أن الكيان، عاد لاحقا ليقصف مقاتلي الجولاني في السويداء ومقرات في دمشق، وعلى ما يبدو أنها لعبة إسرائيلية! مزدوجة تهدف لإعادة ترتيب الخارطة الميدانية جنوبا، دون خسارة ورقة الدروز بالكامل.
– المنطقة الكردية:
في الشمال الشرقي، تمثل مناطق الإدارة الذاتية الكردية عقدة سياسية وأمنية، فبعد محاولات تفاوض فاشلة بين الجولاني ومظلوم عبدي قائد قسد، يبدو الوضع متوترا، خاصة في ظل رفض الجولاني للحكم الذاتي بشكل مطلق وتراجع أميركي تدريجي عن دعم اكراد سوريا، إضافة الى تطور تركي متسارع في تحييد حزب العمال الكردستاني، الامر الذي سيطلق يد اردوغان شرق البلاد، ومع هذا، لا يزال الكرد هناك، يسيطرون على رقعة جغرافية مهمة شرق الفرات، ويملكون تسليحا جيدا ومساحة للمناورة والمقاومة.
– المنطقة العلوية:
أما الساحل السوري، الذي تعرض الى مجازر كبيرة، فيعتبر الحلقة الأضعف في المعادلة السورية الجديدة، وتظهر عليه ملامح تصفية صامتة للعلويين حاليا، وما الحرائق المريبة المفتعلة في جبال اللاذقية، الا انعكاس لرغبة غير معلنة بإفراغ المنطقة من هويتها المذهبية، والسياسية، في مشهد، يشبه التطهير العرقي والديني، أكثر منه عملا عسكريا مباشرا.
• فرز الرايات ومخاض التقسيم، من دولة إلى ساحات وظيفية:
إن ما تشهده سوريا حاليا، ليس سوى الفصل الأشد وضوحا من مشروع “إعادة هندسة المنطقة”، فالدولة التي كانت موحدة شكليا، أصبحت الآن تتآكل من الداخل، وتتحول إلى مجموعة مناطق خاضعة لسلطات متناحرة، وهو ليس تقسيما رسميا، لكنه فرز للرايات، رايات سنية، كردية، درزية، وعلوية، وكل منها يحمل أجندته وداعميه، ويحاول رسم حدود سلطته على الأرض بحد السلاح.
هذا المخاض، الذي يترافق مع استنزاف سريع للبنية العسكرية والاجتماعية، يؤسس لحالة من اللايقين البنيوي، حيث تغيب الدولة وتظهر الوظيفة، فلا الجنوب يدار كمحافظة، بل كمنطقة عازلة مع إسرائيل، ولا الشرق والشمال تتبع دمشق، بل هي مناطق نفوذ أميركي-تركي، وحتى الساحل، سيتحول قريبا لمنطقة تابعة لحامية روسية او فرنسية حسب المعطيات.
• منطقة استقطاب للإرهابيين وسيناريو الحرب الإقليمية:
أحد أخطر السيناريوهات التي تطبخ في الغرف السوداء، هو استخدام سوريا الجديدة، أو ما تبقى منها، كمنصة انطلاق لحرب إقليمية كبرى، ضد محور المقاومة في إيران، لبنان والعراق، واللافت أن هذا السيناريو لا يستند إلى قوة سوريا، بل عبر تحويلها إلى معسكر ومنطقة استقطاب عالمية للإرهاب التكفيري، بإدارة جماعات سلفية، يتم أُعادة تدويرها ورفعها من قوائم الإرهاب ورفع العقوبات عنها.
فبعد سقوط الأسد، تم دمج الايغور، والشيشان، والاوزبك، وغيرهم من الفصائل “الجهادية السلفية!” ضمن التشكيلات الأمنية، تحت غطاء إعادة التأهيل والاحتواء، لكن الواقع يظهر أن هذه الجماعات لا تزال تحتفظ بعقيدتها ومصادر تمويلها، بل إنها بدأت تتمدد وتنتشر في انحاء مختلفة من البلاد.
والخطر الأكبر، أن هذه الجماعات ترتبط اليوم بقنوات دعم إقليمي، قطري، تركي، وإسرائيلي!، وتجهز لتكون رأس حربة في أي مواجهة قادمة مع، حزب الله في لبنان، والشيعة في العراق، وربما إيران إذا توفرت الظروف على الأرض، وبذلك تتحول سوريا إلى مخزن للبارود والنار، يُفتح حين يُراد إشعال جبهة، ويُغلق حين يتم الوصول للهدف المطلوب.
• اللاعبون الدوليون والإقليميون وصراع النفوذ:
– امريكا تواصل إدارة المشهد من بعيد، بتكتيك “التحكم بالفوضى”، حيث تسحب دعمها من طرف وتقدمه لآخر دون إعلان مباشر، إسرائيل تعمل على إعادة هندسة جنوب سوريا بما يخدم أمنها الإستراتيجي، كما ان تركيا تسعى، لتوسيع نموذج إدلب نحو شرق الفرات، والسعودية وقطر والإمارات يتوزعون بين ضخ الاموال، والدعم الإعلامي، بحثا عن نفوذ سياسي.
– أما محور الممانعة، فان إيران لا تزال في مرحلة المراجعة والتقييم، مع الحفاظ على بعض الجيوب والنفوذ ضمن ما تبقى من خرائط، وروسيا ستكتفي بضمان مصالحها في الساحل وحماية قواعدها العسكرية في الوقت الحاضر ولن تتدخل في الصراع، وستبقى الصين كعادتها، تتريّث وتلعب بصمت، لكنها تراقب بحثا عن فرص للنفوذ الاقتصادي لما بعد الاستقرار.
• أخيرا، سوريا على مفترق مصير:
من المؤكد ان سوريا حاليا، ليست في طور الخروج من الحرب، بل هي في مرحلة إعادة تعريف الكيان ذاته، فإما أن تنجح في إنتاج معادلة وطنية، عبر ثورة شعبية جديدة، تعيد الدولة وتحفظ التماسك الاجتماعي والسياسي، أو تسقط في فخ “الكيان الوظيفي” الموزع على قوى الخارج.
لكن فرز الرايات ومخاض التقسيم لا ينبئان بهذا، بل يفتحان الباب على سيناريو انفجار داخلي متعدد الأوجه، يرجح أن يتخذ شكل حرب أهلية تغذيها الانقسامات الاثنية والطائفية، وتدار بقوى محلية وارهابيين اجانب، كما ان انهيار الدولة وتفككها، سيحول سوريا إلى منطلق لتوسيع الصراع نحو الإقليم.


