حين يخرج الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ليعبّر، للمرة الأولى،
عن أن الاعتداء الإسرائيلي على لبنان وسوريا يمثل تهديداً مباشراً لـ«الأمن القومي التركي»،
فإننا لا نكون أمام مجرد موقف تضامني أو خطاب عاطفي،
بل أمام تحول لافت في اللغة السياسية التركية تجاه مسار الصراع الإقليمي.
لم يتأخر بنيامين نتنياهو في الرد، فاختار التصعيد السياسي والإعلامي، مستحضراً ملف الأكراد لمهاجمة أردوغان،
ومكرراً مقولته المعهودة بأن جيشه هو «الأكثر أخلاقية في العالم». وهكذا بدا التلاسن بين الطرفين،
في ظاهره، أقرب إلى معركة كلامية حادة، لكنه في جوهره يعكس تحولاً أعمق في حسابات المنطقة.
فإسرائيل لم تعد تتحرك ضمن جبهات تقليدية فقط، بل تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي،
بينما تشعر تركيا بأن الدور القادم قد يقترب من حدودها ومشاريعها ومناطق نفوذها الحيوية.
لكن بعيداً عن التصريحات الحادة والردود المتبادلة بين القادة والوزراء،
يبقى السؤال الأهم: ماذا تفعل أنقرة فعلياً على الأرض لمواجهة أحلام التوسع الإسرائيلي؟
أولاً: تقارب الضرورة مع دمشق والقاهرة
أبرز تحرك تركي فعلي لا يبدو عسكرياً مباشراً، بل دبلوماسياً واستخباراتياً.
فقد أدركت تركيا أن تفتيت سوريا والعراق يصب في مصلحة إسرائيل، كما يخدم في الوقت نفسه التطلعات الكردية المدعومة غربياً.
ومن هذا المنطلق، تتحرك أنقرة باتجاه إعادة ترتيب علاقاتها مع النظام السوري،
برعاية روسية وبقبول من القاهرة، بهدف إغلاق الثغرات التي يمكن أن تنفذ منها إسرائيل،
وبناء حائط صد إقليمي يمنع تمدد النفوذ الإسرائيلي شمالاً.
هذا التقارب لا يعني بالضرورة تغييراً كاملاً في العقيدة السياسية التركية،
لكنه يعكس براغماتية واضحة في التعامل مع المتغيرات.
فتركيا، حين ترى أن الخطر يقترب من مجالها الحيوي، تبدأ في مراجعة حساباتها، حتى مع خصوم الأمس.
ثانياً: التموضع الاستراتيجي في شرق المتوسط
تخوض تركيا صراعاً صامتاً وشرساً في شرق البحر المتوسط،
حيث تتقاطع خطوط الغاز والطاقة والممرات البحرية والمصالح الجيوسياسية.
وفي هذا الملف، تحاول أنقرة منع إسرائيل واليونان من عزلها بحرياً، أو فرض واقع جديد يقلّص حضورها في المنطقة.
ومن خلال الاتفاقيات البحرية مع ليبيا، وتحركات الأسطول البحري التركي،
تعمل أنقرة على فرض ما يشبه «الفيتو الجيوسياسي» في شرق المتوسط.
وهذا التحرك لا يُعد مجرد استعراض قوة،
بل يمثل خط دفاع متقدماً يمس الشريان الاقتصادي والاستراتيجي لإسرائيل.
فالصراع في شرق المتوسط لا يتعلق بالحدود البحرية فقط، بل يرتبط أيضاً بمستقبل الطاقة،
وخطوط التصدير، ومكانة كل دولة في هندسة النفوذ الإقليمي خلال السنوات المقبلة.
ثالثاً: سلاح المسيّرات والدعم غير المعلن
على الأرض، تستعرض تركيا قوتها من خلال صناعاتها العسكرية المتقدمة،
وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة من طراز «بيرقدار»، إلى جانب تثبيت حضورها في شمال سوريا والعراق وأذربيجان.
ورغم أن تركيا لا تستطيع الانضمام علناً إلى «محور المقاومة» بوصفها عضواً مباشراً،
بسبب التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي،
فإن الدبلوماسية التركية تقدم غطاءً سياسياً واضحاً لحركات المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس.
كما يستمر الحديث في الأوساط السياسية والاستخباراتية عن تسهيلات لوجستية ومعلوماتية،
تهدف إلى تعطيل الاختراقات الإسرائيلية في المنطقة.
ومع أن أنقرة تحافظ على هامش من الغموض في هذا الملف، فإنها تدرك جيداً أن أوراق الضغط لا تُستخدم دائماً بصورة علنية.
الدولة العميقة وعقدة بن غوريون
هنا تكمن المعضلة التي تثير الكثير من التساؤلات: لماذا تستمر خطوط التجارة والنفط، ولا سيما عبر أذربيجان إلى إسرائيل، رغم التصريحات النارية والاشتباك الكلامي بين أنقرة وتل أبيب؟
الجواب يكمن في إرث سياسي عميق يرتبط بما يمكن وصفه بعقدة «أتاتورك وبن غوريون».
فالدولة التركية العميقة، بمؤسساتها العسكرية والاقتصادية،
ترى أن قطع العلاقات بالكامل مع إسرائيل قد يكون انتحاراً جيوسياسياً، لأنه يفقد تركيا أوراق ضغط مهمة كلاعب إقليمي.
أردوغان يناور بخطاب ديني وشعبي يمنحه حضوراً واسعاً في الشارع الإسلامي والعربي،
ويعزز صورته كزعيم إقليمي قادر على تحدي إسرائيل سياسياً وإعلامياً.
لكنه، في الوقت نفسه، محكوم ببراغماتية الدولة ومصالحها، ما يجعل الصدام العسكري المباشر مع إسرائيل خياراً مستبعداً في المرحلة الراهنة.
بين محور المقاومة ومناورة المصالح
السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت تركيا ستنضم رسمياً إلى محور المقاومة،
بل ما إذا كانت ستواصل استخدام خطابها الحاد وتحركاتها الإقليمية للضغط على إسرائيل وحماية نفوذها.
تركيا لا تتحرك بدافع التضامن وحده، ولا تقف في موقع الخصومة المطلقة مع إسرائيل.
إنها تدير توازناً معقداً بين الشارع، والمصالح الاقتصادية، والالتزامات الأطلسية،
والقلق من تمدد النفوذ الإسرائيلي والكردي في محيطها المباشر.
ومن هنا، تبدو أنقرة أقرب إلى لاعب يناور على أكثر من طاولة، لا إلى طرف يستعد لدخول مواجهة مفتوحة.
فهي ترفع سقف الخطاب حين تحتاج إلى ذلك، وتبقي قنوات المصالح مفتوحة حين تقتضي البراغماتية.
الخلاصة
تركيا لن تحارب إسرائيل بالنيابة عن أحد، لكنها تتحرك بذكاء لحماية نفوذها ومجالها الحيوي.
فهي تعيد ترتيب تحالفاتها مع جيرانها العرب، وتستخدم حضورها العسكري والبحري كأداة ضغط،
وتراقب خطوات إسرائيل في المنطقة بحذر شديد.
وبين حرب الكلمات ولعبة المصالح، تبدو أنقرة وكأنها تنتظر اللحظة التي تتمدد فيها إسرائيل خطوة واحدة أكثر من اللازم،
لتتحول المواجهة من سجال سياسي معلن إلى صراع نفوذ صامت، تُستخدم فيه الدبلوماسية، والاقتصاد، والبحر، والاستخبارات، قبل أي خيار عسكري مباشر.


