لا تكمن أهمية الاجتماع المرتقب بين اللجنة المالية النيابية وقيادتي السياسة المالية والنقدية،
يوم الأحد القادم 14 حزيران، في كونه اجتماعاً اعتيادياً لمناقشة أرقام الموازنة فحسب،
بل لأنه يأتي في لحظة حساسة تتقاطع فيها تحديات الإنفاق الحكومي مع متغيرات سوق النفط والضغوط المتزايدة على السيولة العامة.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى قراءة خيارات الحكومة المالية المقبلة،
إذ يقف العراق اليوم أمام معادلة معقدة. فالحكومة مطالبة بالوفاء بالتزاماتها تجاه الرواتب،
والتعيينات، ومستحقات الفلاحين والمقاولين، والخدمات الأساسية،
في وقت تتعرض فيه الإيرادات لضغوط تجعل من الصعب الاستمرار بمستويات الإنفاق نفسها التي اعتمدتها الدولة خلال السنوات الماضية.
ولهذا السبب، يبدو أن الاجتماع لن يقتصر على مناقشة مشروع موازنة تقليدية،
بل قد يتحول إلى نقاش أوسع حول كيفية إدارة المرحلة المالية المقبلة بأقل قدر ممكن من المخاطر.
أولاً: لماذا استُدعي العلاق ووزير المالية؟
إن حضور وزير المالية الأستاذ فالح الساري، ومحافظ البنك المركزي الدكتور علي العلاق،
أمام اللجنة المالية النيابية، يعني أن البرلمان يريد الحصول على إجابات واضحة بشأن عدد من الملفات الجوهرية.
فاللجنة تسعى إلى معرفة حجم السيولة المتبقية لدى الحكومة،
وقدرة الخزينة على دفع الرواتب حتى نهاية السنة، وإمكانية تمويل الالتزامات الجديدة،
وفي مقدمتها التعيينات، ومستحقات الفلاحين، والمقاولين.
كما يمتد النقاش إلى شكل موازنة 2026 في حال استمرار تراجع الإيرادات النفطية.
وعندما يُستدعى محافظ البنك المركزي مع وزير المالية في الوقت نفسه،
فإن ذلك يشير إلى أن النقاش لا يقتصر على الموازنة العامة فقط، بل يمتد إلى أدوات التمويل وإدارة السيولة النقدية.
ثانياً: هل توجد أزمة مالية فعلاً؟
نعم، توجد أزمة مالية، لكن من المهم تحديد طبيعتها بدقة.
فالعراق لا يواجه إفلاساً فورياً، لكنه يواجه ضغوطاً مالية متراكمة تتمثل في تضخم الإنفاق التشغيلي،
وضخامة كتلة الرواتب، والاعتماد شبه الكامل على النفط، فضلاً عن تأخر أو توقف بعض الإيرادات المتوقعة.
وتضاف إلى ذلك التزامات مالية تراكمت نتيجة التعيينات، والعقود، والمشاريع،
الأمر الذي جعل الحكومة تبحث عن كيفية تمويل الالتزامات القائمة أكثر من بحثها عن إطلاق مشاريع جديدة.
ثالثاً: ماذا يعني الحديث عن البنك المركزي؟
إن الحديث عن دور البنك المركزي في المرحلة الحالية يتجاوز مسألة السياسة النقدية التقليدية،
ليرتبط مباشرة بقدرة الدولة على إدارة السيولة وتمويل التزاماتها المالية في ظل الضغوط التي تواجه الموازنة العامة.
ومن هنا، من المتوقع أن يشرح الدكتور علي العلاق الخيارات المتاحة لتأمين السيولة، والتي قد تتضمن عدة احتمالات رئيسية.
شراء السندات الحكومية
يُعد هذا السيناريو من أكثر الخيارات واقعية. فالحكومة تصدر سندات،
ويقوم البنك المركزي أو المصارف الحكومية بشرائها، وبذلك تحصل الحكومة على سيولة فورية تساعدها في تغطية جزء من التزاماتها المالية.
الاقتراض الداخلي
قد تلجأ الحكومة أيضاً إلى الاقتراض الداخلي، كما حصل في أزمات سابقة.
وهذا لا يعني بالضرورة طباعة أموال بصورة مباشرة، بل يعني خلق دين داخلي تموله المؤسسات المالية العراقية.
استخدام الاحتياطيات بطريقة غير مباشرة
يبقى هذا الخيار شديد الحساسية، لأن البنك المركزي يحاول دائماً حماية الاحتياطي الأجنبي والحفاظ على استقرار السياسة النقدية وسعر الصرف.
رابعاً: هل يمكن أن يلجأ العراق إلى طباعة العملة؟
نظرياً، يمكن اللجوء إلى طباعة العملة، لكن عملياً فإن الأمر ليس بهذه البساطة.
فهناك فرق واضح بين الطباعة الفنية للنقد،
التي تعني استبدال الأوراق التالفة أو زيادة الكتلة النقدية بما يتناسب مع النمو الاقتصادي، وبين الطباعة بهدف تمويل العجز.
أما الطباعة لتمويل العجز، فتعني إصدار نقد جديد لتمويل الإنفاق الحكومي،
وهو خيار خطير لأنه قد يؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية، وارتفاع الأسعار،
وتراجع قيمة الدينار، فضلاً عن خلق ضغوط إضافية على سعر الصرف.
ولهذا السبب، يتجنب البنك المركزي العراقي الإعلان عن أي تمويل مباشر للخزينة عبر طباعة النقد.
خامساً: لماذا عاد الحديث عن قانون الأمن الغذائي؟
يشير البعض إلى تجربة حكومة مصطفى الكاظمي عام 2022،
حين لم تكن هناك موازنة بسبب الخلافات السياسية، فتم تشريع قانون الأمن الغذائي والتنمية،
الذي سمح للحكومة بالإنفاق على الرواتب، والبطاقة التموينية، والكهرباء، والمشاريع الضرورية، ومستحقات الفلاحين.
وقد كان ذلك القانون بمثابة موازنة مصغرة ومؤقتة، ولهذا يقول بعض النواب إن الحكومة قد تعود إلى نموذج مشابه إذا تعذر إعداد موازنة متكاملة.
وقد كانت بعض القوى السياسية التي انتقدت قانون الأمن الغذائي سابقاً تعتبره حلاً استثنائياً.
أما اليوم، فإن الظروف المالية تدفع بعض الأطراف إلى التفكير بالآلية نفسها،
التي تقوم على الإنفاق المحدود، وترتيب الأولويات، وتأجيل المشاريع الكبيرة، ودفع الرواتب والالتزامات الضرورية.
لذلك، يعتبرها البعض عودة إلى حلول الكاظمي في إدارة الأزمة المالية.
سادساً: مناورة الصيف
تبدو الحكومة اليوم، بعد أن استلمت الميزانية العراقية خاوية ولا يوجد فيها سوى تريليون دينار عراقي،
مضطرة إلى المناورة السياسية في ظروف استثنائية ضاغطة، بين حرب مضيق هرمز وفصل الصيف اللاهب.
وقد تلجأ الحكومة إلى إعلان بعض التعيينات، أو صرف مستحقات لفئات محددة،
أو دفع جزء من مستحقات المقاولين، أو تحريك ملفات شعبية، بهدف تخفيف الضغوط الاجتماعية خلال الصيف،
خصوصاً مع أزمة الكهرباء، والبطالة، وتأخر بعض الاستحقاقات المالية.
وهنا يمكن فهم هذه المناورة بوصفها ذات أهداف سياسية واجتماعية أكثر من كونها برامج اقتصادية شاملة.
سابعاً: الرسالة الأهم
إن اجتماع الأحد لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بتحديد فلسفة الإدارة المالية للمرحلة المقبلة.
فهل ستتمسك الحكومة بمستويات الإنفاق السابقة رغم المتغيرات؟ أم ستنتقل إلى سياسة أكثر تحفظاً تقوم على إدارة الأولويات وتأجيل الالتزامات غير الضرورية؟ وهل يستطيع البنك المركزي الاستمرار في لعب دور صمام الأمان المالي من دون أن يتحمل أعباء تتجاوز وظيفته النقدية؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ملامح السياسة المالية العراقية خلال ما تبقى من العام، وربما خلال السنوات المقبلة أيضاً.
فالأزمة الحالية ليست أزمة أموال فقط، بل أزمة نموذج اقتصادي ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على مورد واحد هو النفط، في وقت تتسع فيه الالتزامات الحكومية بوتيرة أسرع من نمو الإيرادات.


