دراسة بمنهج تفكيكي
أُقيم مستشفى الكفيل على فكرة جوهرية واضحة، مفادها أنّ الخبرات العاملة فيه خبرات أجنبية ومتخصصة،
وأنّ الكوادر الطبية والإدارية ليست تابعة للدولة،
كما أنّ الأجهزة الطبية وصيانتها ليست ضمن صرفيات الدولة ولا ميزانياتها التشغيلية.
ومن هنا يبرز السؤال الأساس: على أي أساس يريد بعض المتفذلكين والمضللين أن يكون مستشفى الكفيل،
في شكل إدارته ونظام خدماته، كمستشفى عام تديره الدولة وتموّله من مالها المباشر؟
لو أرادت الدولة نفسها أن تفتح مستشفى بأموالها الخالصة،
وأن تجعل فيه ميزة متقدمة تتمثل في استقدام كوادر أجنبية محترفة،
وأطباء أجانب معروفين بكفاءتهم، وتجهيزات علاجية راقية، فهل سيكون ذلك المستشفى مجانياً بالكامل؟
إنّ مستشفيات الدولة العامة نفسها تضم ما يُعرف بـ«الجناح الخاص»، وهو جناح لا يدخله الفقير عادة،
بل يدخله من يستطيع دفع مبالغ مالية كبيرة مقابل نوع الخدمة الخاصة المقدمة فيه.
ومع ذلك، لا نجد الضجيج الإعلامي نفسه، ولا نجد من يرفع شعار الفقراء بوصفهم رأس حربة في حملات التسقيط،
متسائلاً: لماذا لا يكون الجناح الخاص متاحاً للفقراء مجاناً؟
والحال أنّ الجميع يعلم أنّ مستشفى الكفيل قدّم علاجات مجانية،
وأجرى عمليات كبرى وفوق كبرى لحالات مرضية كثيرة جداً، لا سيما لفقراء معدمين.
وهذه حالة موجودة ومتطورة في تجربة الكفيل، ولا تملك مستشفيات الدولة الحكومية،
حتى في أجنحتها الخاصة، ما يماثلها أو يوازيها على هذا النحو.
أولاً: طبيعة مستشفى الكفيل وكلفة تشغيله
إنّ النقطة الأولى التي ينبغي تثبيتها هي أنّ مستشفى الكفيل ليس مستشفى عاماً تابعاً للدولة بالمعنى الإداري والمالي المباشر.
فهو مشروع طبي متقدم يقوم على خبرات متخصصة، وأجهزة حديثة،
وكوادر تحتاج إلى نفقات تشغيلية عالية، ابتداءً من أجور الأطباء الأجانب،
مروراً بأجور الكوادر العاملة، وصولاً إلى الصيانة والإدامة والإدارة اليومية.
وبناءً على ذلك، فإنّ الحديث عن مجانية شاملة ومطلقة،
مع الإبقاء على المستوى نفسه من الخدمة الطبية المتقدمة،
هو حديث يحتاج إلى فهم اقتصادي وإداري واقعي، لا إلى شعارات عاطفية أو حملات إعلامية انتقائية.
ثانياً: أين تذهب أموال مستشفى الكفيل؟
هنا تبرز ملاحظة تحتاج إلى تأمل هادئ. فمن جهة أولى،
تذهب أغلب أموال المستشفى إلى الإدارة التشغيلية، بما يشمل أجور الأطباء الأجانب الكبار،
ورواتب الكوادر العاملة، وتكاليف الصيانة والإدامة، وسائر نواحي الإدارة الفنية والخدمية.
ومن جهة ثانية، فإنّ ما يتبقى بعد تغطية هذه النفقات يُوجَّه، بحسب طبيعة هذه المشاريع،
إلى مشاريع خيرية أخرى تقع تحت إدارة المرجعية الدينية الشريفة ورعايتها.
وقد يسأل سائل: لماذا لا يخضع المستشفى لإدارة الدولة وحساباتها المالية؟
وكيف تنفق المرجعية الدينية ما يتبقى من الأموال على مشاريع خيرية؟ ومن أعطاها التفويض في ذلك؟
للجواب عن هذا السؤال، لا بد من التوقف عند جانبين أساسيين.
الجانب الأول: التفويض المعنوي للمرجعية الدينية
إنّ السلطة النهائية لمرافق العتبات المقدسة، في بعدها الديني والاجتماعي،
تعود في نهاية المطاف إلى المرجعية الدينية الشريفة ومعتمديها.
وصحيح أنّ المرجعية ليست جزءاً من الإدارة الرسمية للدولة،
لكنها تمثل اعتباراً شعبياً وجماهيرياً واسعاً، وتحظى بثقة كبيرة،
بل شبه مطلقة، لدى قطاعات واسعة من الناس.
وهذه الثقة لا تنحصر داخل العراق فقط، ولا داخل الإطار الشيعي فحسب،
بل تمتد إلى جمهور واسع، متنوع دينياً وعرقياً، داخل العراق وخارجه.
فالمرجعية الدينية تمثل في وعي كثيرين جهة اطمئنان أخلاقي وديني واجتماعي،
تفوق أحياناً ثقتهم بمؤسسات الدولة التشريعية والقضائية والتنفيذية.
ومن منظور الفكر السياسي، فإنّ الشعب هو صاحب السيادة الأولى والأخيرة في الحكم الديمقراطي.
فإذا كانت أغلبية واسعة من الشعب قد منحت المرجعية الدينية ثقة معنوية كبرى في قضايا مصيرية تتعلق بحياة الناس وموتهم،
وبمستقبل الدولة، وبكتابة الدستور، وبقرارات وطنية مفصلية،
فمن الطبيعي أن تكون هذه الثقة ممتدة إلى إدارة موارد محدودة أو متبقية من مشروع طبي خيري كـمستشفى الكفيل.
فالناس الذين رجعوا إلى المرجعية طوعاً وثقةً ومحبةً في قضايا أكبر من مستشفى الكفيل آلاف المرات،
لا يرون غرابة في أن تكون هذه المرجعية محل ثقة في آلية صرف واردات المستشفى أو غيره من مشاريع العتبات،
ما دامت تلك الموارد تتصل في النهاية بخدمة الناس وحياتهم.
وهنا تحضر دلالة روحية معبرة، تذكّر بقصة رويت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله،
حين ادعى شخص أنّ النبي أخذ منه شيئاً، فأنكر النبي ذلك. وعندما طُلبت الشهادة،
امتنع بعض الحاضرين لأنهم لم يشهدوا الواقعة، إلا صحابياً واحداً شهد للنبي.
فلما سأله النبي: لماذا شهدت وأنت لم ترَ الحادثة؟ أجابه بما مضمونه:
نحن ائتمنّاك على حياتنا وأموالنا وأنفسنا وأعراضنا وديننا، وصدّقناك في كلامك وقرآنك،
وآمنا على يدك بوجود حياة بعد الموت ورب يحاسبنا؛ فكيف نشك اليوم في إنكارك لدعوى هذا المدعي؟
وفي دلالة هذه القصة كفاية لمن أراد أن يفهم معنى الثقة الكبرى حين تمتد إلى الملفات الأصغر.
الجانب الثاني: وضوح موارد الإنفاق الخيري
إنّ أغلب موارد إنفاق أموال المسلمين،
وكذلك موارد المشاريع الاستثمارية التابعة للحوزة الشريفة والعتبات المقدسة،
ظاهرة ومعلومة وواضحة في آثارها العملية. فهي تمتد من مساعدة الفقراء، إلى كفالة الأيتام،
إلى بناء المشاريع الخيرية والمستشفيات،
إلى دعم المحتاجين، إلى تزويج الشباب، إلى نشر القيم الدينية وإعلاء كلمة الإسلام.
وبذلك، فإنّ ما تأخذه المرجعية بيمينها تنفقه بيسارها في مشاريع خيرية واجتماعية واضحة،
يعرف آثارها القاصي والداني. وهذه الواردات والأموال، في كثير من الأحيان،
أكبر من واردات مستشفى واحد بمئات الأضعاف، ومع ذلك فإنّ آثارها ملموسة في المجتمع.
وهذا هو واجب المرجعية الشرعي والديني والأخلاقي،
وهو ما جعلها في موقع النيابة العامة عن الإمام المعصوم في رعاية شؤون الدين والناس وفق الفهم الفقهي الشيعي.
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الرد على التخرصات التي يطلقها بعض أصحاب الخطاب الإعلامي المتشنج،
ممن يحاولون ضرب المرجعية بصورة غير مباشرة،
عبر التشكيك في إدارتها لبعض مرافق المشاريع الخيرية.
ثالثاً: ازدواجية الخطاب الإعلامي
هناك موارد ومجالات يجري فيها التحكم بأموال عامة، وبإدارة جزء كبير من الشعب،
دون خضوع كامل ومباشر لإرادة الدولة العراقية المركزية،
ومن أبرز الأمثلة المطروحة في هذا السياق نموذج إقليم كردستان.
فإقليم كردستان، بعوائله السياسية الحاكمة،
يسيطر إلى اليوم على مدخلات ومخرجات الإدارة والثروات والأمن والعسكرة والتعليم والثقافة داخل الإقليم،
ويسيطر بدرجة كبيرة على مصائر شعب الإقليم،
مع وجود قبول أو سكوت نسبي من جمهور الإقليم ومن بنية الدولة العامة.
ومع أنّ هذا الملف حاضر في بنية الدولة وإدارتها، إلا أنه لا يحضر عادة في جداول الصراخ الإعلامي ذاته،
ولا نجد الحدة نفسها في السؤال عن واردات المشاريع الخاصة في الإقليم،
سواء في دوائره الحكومية أو مشاريعه الاستثمارية. بل إنّ الصمت غالباً ما يكون سيد الموقف.
في المقابل، يتركز الهجوم دائماً على مرجعية الشيعة، ومشاريع الشيعة،
وعقائد الشيعة، وجمهور الشيعة، والمشاريع الخيرية الفاعلة التي تقام في بيئة الشيعة.
وفي ذلك ما يكفي لفهم مرامي هذه الحملات، وغاياتها، وأهدافها غير المعلنة.
ومع ذلك، لا بد من التنبيه إلى وجود فارق كبير وبون شاسع بين إدارة المرجعية الدينية الشريفة للمشاريع التي تخدم الأمة والدين،
وبين إدارة إقليم كردستان بوصفها إدارة وظيفية دنيوية براغماتية ذات طابع قومي خاص،
لا تنطلق بالضرورة من الرؤية نفسها للعراق ولا لشعب العراق ولا لمفهوم الخدمة العامة.
النتيجة: المرجعية والثقة العامة
من مجموع ما تقدم، يمكن القول إنّ المرجعية الدينية الشريفة تمتلك تفويضاً اعتبارياً ومعنوياً،
أو نوعاً من القبول الشعبي والرسمي،
بأن يكون الجزء القليل المتبقي من واردات مستشفى الكفيل تحت تصرفها،
لتصرفه في المشاريع الخيرية الموجهة أصلاً لخدمة الفقراء والمتعففين، وخدمة الدين، وإعلاء كلمة المسلمين.
وهذا هو شأن المرجعية في تعاملها مع مختلف أصناف الأموال والحقوق التي تصل إليها.
فهي في جانب مهم من جوانب عملها تدعم اقتصاد البلد بصورة غير مباشرة،
من خلال مشاريع تخفف من فشل الدولة في تقليل نسب الفقر،
وتساهم في تشغيل أعداد كبيرة من الأيدي العاملة،
وتقدم نموذجاً واضحاً في النزاهة والانضباط والحرفية والتقنية العالية في الإدارة.
وقد لمس الشعب مقدار الانضباط والنجاح في مشاريع العتبات المقدسة،
بطريقة عجزت الدولة عن تقديم بعض مظاهرها للناس.
وهنا يحق السؤال: ماذا قدم أصحاب الحملات الإعلامية التي تتباكى على القانون والفقراء والمستشفيات لهذا الشعب،
قياساً بما قدمته هذه المشاريع من خدمات عملية وواقعية؟
ملاحظة ختامية
إنّ ما تقدم يتضمن توصيفاً عاماً للعلاقة بين المرجعية والشعب،
مع إشارة ضمنية إلى جدلية القطيعة والاحتقان الحاد التي يحاول بعض الإعلاميين والناشطين زرعها في وعي الناس وثقافتهم وتفكيرهم،
بهدف إبعاد المرجعية الدينية الشريفة عن جمهورها.
ومع ذلك، فإنّ أي أخطاء أو مشكلات أو سلبيات موجودة في إدارة مستشفى الكفيل،
إن وجدت، فإنّ أبواب القانون مفتوحة، والقضاء موجود، وأبواب المرجعية الشريفة مفتوحة أيضاً.
وكلنا نؤيد أي إجراء مهني وقانوني يتخذ ضد أي خلل أو سلبية،
بشرط أن يكون الإجراء قائماً على تشخيص أهل الاختصاص،
لا على حملات التضليل وزرع الفتنة داخل تشكيلات المجتمع، ولا على خطاب إعلامي يفتقر إلى الرادع القانوني والديني والأخلاقي.


