حزب الله ليس إيرانياً ويجب حمايته داخلياً ودولياً

حزب الله ليس إيرانياً وحمايته ضرورة لاستقرار لبنان
حزب الله ليس إيرانياً، بل مكوّن لبناني يرتبط وجوده بتوازنات الداخل وحماية الاستقرار. قراءة في ضرورة الحوار وحماية لبنان من تكرار مآسي الماضي والانقسام....

هذا المقال ليس دفاعاً عن «حزب الله» من زاوية طائفية، بل من زاوية الضرورة الوطنية والوجودية لاستقرار لبنان.

إنه اشتباك فكري يسعى إلى ترميم الجسور في زمن الانقسام الحاد،

ويدعو إلى قراءة المسألة بعيداً عن الحسابات الضيقة والمواقف الانفعالية.

لذلك نكرر هذا الكلام للمرة الثالثة، وسنكرره مئات المرات:

إن حماية حزب الله هي مسؤولية تقع على عاتق أركان الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي على حد سواء.

فحتى الدول التي تكنّ له العداء في العمق تجد نفسها مضطرة،

سياسياً واستراتيجياً، إلى التوقف عند حدود معينة تفرضها مقاييس السياسة العالمية.

فالأمر لا يتعلق بثأر شخصي أو صراع صفري يقود إلى الفناء.

إن تجاوز المقاييس الوجودية في صراعات الأمم، حتى في الحروب العالمية،

يحوّل النزاع إلى جرائم حرب تُدمّر القيم، وتُفتّت الدول، وتُهدد بانهيار النظام العالمي.

القوة لا تعني الإلغاء

إن القوة في المفهوم الاستراتيجي لا تعني الإلغاء، بل تعني الاحتواء والقدرة على المضي قدماً.

فالعالم الذي يحتضن مليارات البشر لم يُخلق ليكون ذا توجه واحد،

ولن يكون كذلك مهما تعاظمت قوة الدول، لأن التعددية سنة كونية وجزء أصيل من دائرة الحياة التي لا تتوقف.

وفي هذا السياق، جاء كلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضحاً حين أشار إلى إمكانية تدخل أمريكا والاستعانة بالسوريين للقضاء على حزب الله،

وهو خطاب يبدو وكأنه يعيد التاريخ إلى الوراء.

ففي عام 1976، أعلنت أمريكا في الغرف المغلقة، مستفيدة من دعوات بعض اللبنانيين آنذاك،

أنها ستستعين بالإسرائيليين والسوريين للقضاء على الوجود الفلسطيني.

وبالفعل، تم ترحيل الفلسطينيين بعد سنوات،

لكن النتيجة كانت وقوع لبنان تحت احتلالين: احتلال إسرائيلي امتد من الجنوب إلى بيروت، واحتلال سوري امتد من الشمال إلى العاصمة.

وبقي اللبنانيون في الوسط بين فكي كماشة دمّرت مقومات الوطن، ولم يتنفسوا الصعداء إلا بعد عقود،

مع تحرير الجنوب عام 2000 وخروج السوريين عام 2005.

وقد ترك انتهاء ذلك الكابوس اللبنانيين أمام انقسام حاد ما زلنا نعيش تداعياته المرّة حتى اليوم.

هل يتكرر المشهد اللبناني؟

من هنا يبرز السؤال الجوهري: من يضمن ألا يتكرر المشهد بصورة تؤدي إلى زوال لبنان نهائياً وتقاسمه بين قوى جديدة؟

لا سيما أن القادمين من سوريا قد لا يكونون سوريين في غالبيتهم،

بل خليطاً من جنسيات بلقانية وشيشانية وقوقازية ذات توجهات جهادية.

ثم إن السوريين أنفسهم، ولا سيما أهل الشام وحلب، إضافة إلى المتصوفين،

باتوا يختنقون من التشدد الديني الوافد إلى سوريا.

وهناك دعوات حقيقية من بعض أهالي حلب للانضمام إلى تركيا هرباً من هذا الواقع،

وما كلام والد الرئيس أحمد الشرع إلا تأكيد على أن سوريا لم تعد تشبه سوريا التي يعرفها الجميع.

كما أن الفن والثقافة السورية بدآ يشعران بفقدان وهجهما وإبداعهما،

بعد أن كانت سوريا تنافس عواصم الفن والثقافة العالمية،

وتحمل حضوراً حضارياً عريقاً في الوعي العربي والإنساني.

من المستفيد من حرب جديدة؟

إن ترامب وإسرائيل سيستفيدان حتماً من هذه الحرب، لأنها تضرب،

في نظرهما، عصفورين بحجر واحد: القضاء على الوجود الشيعي الممانع،

ومواجهة المتشددين الإسلاميين في سوريا في الوقت نفسه.

كما أن عودة العنف إلى الساحة السورية قد تخدم مصالح إقليمية أخرى،

لكن السؤال الجوهري يبقى: ماذا سيستفيد لبنان؟

لقد أثبتت الأيام أن إسرائيل محصنة إلى حد بعيد ضد كثير من الحروب والمتغيرات الإقليمية،

وأن أمريكا موجودة في قارة منفصلة تماماً عن آسيا وأوروبا.

لكن ماذا سيستفيد الأوروبيون إذا وصل الإسلام المتطرف إلى لبنان وأصبح قاب قوسين من حدودهم؟ ومن يحمي أوروبا العجوز مما هو قادم؟

إن التعقيدات والغايات والأهداف أكبر بكثير من مجرد حرب على حزب الله.

فالمشهد يتجاوز حدود السلاح والسياسة، ويمس مستقبل المنطقة بأكملها وتوازناتها وهوياتها ومصير دولها.

حزب الله في المعادلة اللبنانية

إن محاولة اقتلاع المكوّن الشيعي تشبه تماماً اقتلاع أشجار الكرز التي دأب الموارنة على زراعتها حول أشجار التفاح في الجبال العالية والقاسية،

لتكون حائط صد يحمي المواسم من الثلوج والصقيع والعواصف.

فحزب الله، في جوهره، حزب لبناني المنشأ والمنطلق.

وقد توجه إلى من يدعمه من أجل تحرير أرضه وإنقاذ بيئته وأهله،

وقدم تضحيات جسيمة، وحقق انتصار أيار،

ودافع عن لبنان في مراحل مفصلية كادت أن تغرق البلاد في فوضى عارمة لولا وجوده.

إن توجه الحزب نحو إيران لا يختلف، في سياقه التاريخي،

عن توجه المسيحيين نحو الغرب طلباً للحماية،

أو توجه المناضلين الفلسطينيين والحركات السنية نحو دول تدعمهم وتتبنى قضاياهم.

الشيعة ليسوا تهديداً وجودياً لأحد

الشيعة لا يشكلون تهديداً وجودياً لأحد، لأن أدبياتهم الدينية والاجتماعية تلغي مبدأ التكفير.

ولذلك انحصرت حروبهم، في الغالب، ضد الاحتلال الإسرائيلي وضد الجماعات التي تكفرهم دينياً وتستهدف وجودهم.

وأمام هذا الواقع، رأينا كيف أن الموحدين الدروز في سوريا، وهم من أنقى الأعراق العربية،

اضطروا في لحظة وجودية قاسية إلى اللجوء إلى خيارات صعبة لحماية أنفسهم من الإبادة،

حين هاجمهم المتشددون والغرباء، رغم تاريخهم الوطني المشرف في تحرير سوريا من الانتداب الفرنسي.

هذه التجارب تؤكد أن الجماعات لا تبحث عن الحماية حين تكون مطمئنة،

بل حين تشعر بأن وجودها نفسه مهدد، وأن الدولة لم تعد قادرة وحدها على ضمان أمنها واستمرارها.

استقلالية القرار الوطني

على الرغم من تقاطع المصالح العقائدية والسياسية مع إيران،

فقد أثبتت الوقائع ما أكده الشهيد السيد حسن نصر الله مراراً،

بأن قرار الحزب في الداخل اللبناني قرار وطني مستقل. وهذا ما اعترف به كبار ساسة لبنان مؤخراً.

وسيأتي يوم يشهد فيه التاريخ أن الحزب، في عهد الشيخ نعيم قاسم،

حافظ على هذه الاستقلالية الوطنية. لكن الخشية تكمن في أن يأتي هذا الاعتراف متأخراً،

حين نجد أنفسنا مشتتين في «العالم الجديد»، مجرد أرقام في دفاتر الأمم المتحدة،

بعد أن نكون قد تخلينا عن دورنا في حماية وطننا.

حماية حزب الله حماية للبنان

إن حزب الله اليوم ضرورة وجودية للدولة وللطائفة الشيعية.

ففي الوقت الذي نرى فيه الحزب يبذل الدماء على الحدود،

نراه أيضاً يسقي النازحين، ويؤمن احتياجاتهم في قلب المحنة.

إن لبنان يمر بنكبة، ولا يجوز للخلافات السياسية أن تعمينا عن حقيقة أن المكاسب اللفظية لا قيمة لها أمام تدمير الوطن.

فالانتصار في السجالات لا يبني دولة، ولا يحمي شعباً،

ولا يمنع انهيار الكيان إذا تحولت الخصومة الداخلية إلى مشروع إلغاء.

لذلك، يجب أن تكون الدعوة الدائمة هي الحوار. وعلى المعافى أن يراعي أخاه الجريح،

كي ننتصر لإنسانيتنا وثقافتنا اللبنانية، ونحفظ لبنان بمساحته الكاملة، 10452 كلم مربع.

فالدولة يجب أن تكون البذرة الصالحة التي تنبت أرزة شامخة تمتد لمئات السنين القادمة،

لا ساحة تصفية حسابات ولا أرضاً مفتوحة لمشاريع الآخرين. حماية لبنان تبدأ من حماية مكوناته، وحماية مكوناته تبدأ من الاعتراف بأن أحداً لا يستطيع إلغاء أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *