لعلّ أعظم الخطيئات التاريخية التي يمكن أن تُرتكب بحقّ الوجدان المسيحي هي تلك المقولة الزائفة التي تزعم أنّ مسيحيي الغرب يقتلون الشيعة.
فالحقيقة الكامنة في وعي الكرسي الرسولي،
من قداسة البابا لاوون وصولاً إلى المواقف الأوروبية الرصينة،
تؤكد رفضاً قاطعاً لهذه الحرب،
انطلاقاً من إدراك عميق بأنّ المتضرر الأكبر من كسر هذه الروح الإنسانية هو الديانة المسيحية ذاتها.
إنّ المسيحية التي تشهد اليوم انبعاثاً روحياً عالمياً،
وتنتشر بقوة كأنها وُلدت من جديد، تستمد زخمها من تلك اللحظة الشجاعة التي تجلّت في اعتذار الكنيسة،
بصوت قداسة البابا القديس يوحنا بولس الثاني، عن آلام الحروب الصليبية ومظالم محاكم التفتيش.
لم يكن ذلك الاعتذار مجرد تراجع سياسي، بل كان فعلاً تطهيرياً أعاد للكنيسة ثقلها الروحي،
وجعل الملايين يعتنقون تعاليم يسوع ببركة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني،
الذي جسّد التسامح في أبهى صوره حين زار من أراد اغتياله ليغفر له.
واليوم، تلوح في الأفق مؤامرة خفية تستهدف جوهر هذا الدين المسيحي،
في وقت بات فيه المستضعفون في كل مكان يرفعون الصليب، ويضيئون الشموع،
ويناجون يسوع بالبخور والتراتيل لينقذ العالم من عتمته.
نداء إلى الكنيسة المارونية
أكتب هذا المقال لأناشد الكنيسة المارونية أن تحمل مشعل الدفاع عن الشيعة،
كما حملت مشعل الفكر والإنسانية حين جمعت وكتبت وطبعت ونشرت ثقافة الإمام علي بن أبي طالب الإنسانية في العالم.
من أجل يسوع، ساعدوا الشيعة.
المهندس العظيم وسرّ الوجود
إنّ التأمل في هذا الكون يقودنا حتماً إلى الإقرار بوجود «مهندس عظيم» هندس هذا الوجود بدقة متناهية.
فالإنسان تجربة فريدة، وخصوصية الأرض بوصفها حيزاً للحياة وسط مليارات الكواكب الصامتة تثبت أنّ وراء الوجود سراً مقدساً يأبى العبثية.
ومن هذا المنطلق الروحي، كانت الديانة المسيحية هي الانبثاق الأسمى لقيم السلام في أعظم تجلياتها،
حيث ظلّ حضور يسوع المسيح يتجدد كبلسم يداوي جراح المعذبين، وفلسفة تنصف الفقراء.
لقد نجحت الكنيسة في الفاتيكان حين تحررت من أثقال السياسة،
لتذكّر العالم بأنّ غاية الوجود هي الفرح واللحظة الإنسانية،
لا الانغماس في دماء النبوءات المزيفة التي صنعها رجال دين عبثوا بجوهر الرسالات الإبراهيمية.
يسوع وتحرير الإنسان من القيد العرقي
لقد تعثرت الديانة اليهودية حين حصرت الإله في عرقية «الشعب المختار»،
فجاء يسوع ليحطم هذا القيد، مؤكداً أنّه لا شيء أعظم من الإنسان،
حتى وهو يُجلد ويُصلب، ناظراً إلى جلاديه بعين الصفح: «أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون».
إنّ حالة يسوع المسيح تمثل استثناءً حتى في المنطق النبوي؛
فهو لم يحتج إلى وسيط ملكي كجبرائيل، ولا إلى ألواح صخرية كالتي حملها موسى من جبل الطور،
بل كان ينطق بالوحي مباشرة، كأنّ الخالق يتحدث بلسانه.
وتضاف إلى ذلك معجزة ولادته من العذراء مريم، تلك السيدة المقدسة التي اختارها القدير لتكون حاضنة النور.
من فلسفة يسوع إلى إنسانية الإمام علي
لقد جاء يسوع ليصحح ما اعتور الرسالات من تحريف،
ممهداً الطريق للإسلام الذي ختم به محمد رسالات السماء في زمن استطاع فيه التطور البشري محاكاة المعجزات المادية،
لكنه عجز عن مضاهاة المعجزة الوحيدة الباقية: فلسفة الإنسانية العظيمة.
وقد بلغت هذه الفلسفة ذروتها في نهج الإمام علي بن أبي طالب،
الذي استكمل جوهر تعاليم يسوع حين أطلق صرخته الخالدة: «الإنسان صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق».
كربلاء بوصفها صدى للصليب
من هذا المشهد، انبثق الوجدان الشيعي ملتحماً بمأساة كربلاء،
التي تحاكي في عمقها آلام المسيح على الصليب. وهنا تساءل الضمير العالمي: كيف يُقتل ابن بنت النبي؟
لقد فتح هذا السؤال باب التفكير في ماهية الدين حين يُقصى جوهره لصالح السلطة والبطش.
وكما شوّه الحاخامات تعاليم موسى، شوّه بعض رجال الدين جوهر الإسلام المحمدي القائم على «الرحمة للعالمين».
ومن هنا، كان التشيّع محاولة جادة للدفاع عن إنسانية الرسالة،
مقدماً حلاً وسطاً عبر إبقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، ليكون العقل شريكاً في فهم النص،
تماماً كما فعلت الحركات الإصلاحية المسيحية.
الشيعة وحراسة المقدّس المسيحي
يتجسد هذا الترابط الروحي اليوم في أبهى صوره الميدانية.
فلا يمكن نسيان تلك المشاهد لمقاتلي الشيعة وهم يدخلون الأديرة والكنائس في سوريا،
لا بوصفهم غزاة، بل بوصفهم حراساً للقداسة.
لقد رفعوا التماثيل، وأعادوا الأيقونات إلى مكانها بتبجيل،
وصلّوا صلاتهم الإسلامية تحت ظلال يسوع المسيح وبين يدي العذراء.
إنّ هؤلاء الشيعة، الذين قد يقال إنهم لا يفقهون مكر السياسة الدولية وألاعيب المصالح الباردة،
ويوصفون بالطيبين حدّ السذاجة في عالم مادي منافق،
يمثلون في الحقيقة أعظم مثال إنساني عرفته البشرية منذ المسيحية.
إنهم يحملون سرّ التزاوج المقدس بين الرسالات،
حتى في عقيدتهم التي تؤمن بأنّ «المهدي المنتظر» هو ابن سيدة مسيحية تحمل روح يسوع في قلبها،
لتلتقي بعظمة النسل المحمدي.
حين يُقاتَل التشيّع تُستهدف روح يسوع
إنّ القيم التي ناضل من أجلها يسوع المسيح هي ذاتها التي سالت من أجلها دماء الحسين.
لذلك، فإنّ أولئك الذين يقاتلون التشيّع في جوهره الفلسفي إنما يقاتلون تلك الروح التي نفخها يسوع في جسد البشرية.
إنهم، بهذا المعنى، يقتلون جزءاً أصيلاً من «يسوع» الكامن في فلسفة العدالة والمظلومية والفداء.
على العالم أن يدرك أنّ استهداف الشيعة اليوم هو مشهد متجدد لصليب المسيح يُنصب مرة ثانية تحت أنظار الكون؛ مأساة «جلجلة» معاصرة تتكرر فصولها.
ولا أدري إن كان هناك في هذا الزمان من سيقول عن هذا الصليب الجديد: «أبتاه، لا تغفر لهم، لأنهم يدرون جيداً ماذا يفعلون».


