الرشوة إلى قمة السلطة: العراقيون و«نموذج الريتز كارلتون»؟

الفساد في العراق واسترداد الأموال المنهوبة ضمن إطار دولة القانون
تطرح الأزمات المالية في العراق أسئلة حادة حول مصير الأموال العامة، وتفتح النقاش بشأن مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، مع استلهام بعض جوانب نموذج الريتز كارلتون ضمن إطار دستوري وقضائي عراقي...

تكشف الأزمات المالية المتلاحقة التي يعيشها العراق حجم الاختلال العميق الذي أصاب بنية الدولة ومؤسساتها.

فقد بلغ المشهد حدّ تداول أنباء عن تفكير الحكومة في اللجوء إلى الاقتراض من دول الخليج،

بهدف تأمين رواتب الموظفين وعدم المساس بحقوقهم،

في صورة تثير كثيراً من التساؤلات المشروعة حول مصير الوفرة المالية الكبيرة التي امتلكتها الدولة خلال السنوات الماضية.

فأين ذهبت عشرات المليارات التي تراكمت نتيجة ارتفاع أسعار النفط؟

وأين صُرفت أموال قانون الأمن الغذائي التي بلغت نحو 35 تريليون دينار؟

وكيف تبددت الاحتياطيات المالية التي تحدثت عنها الحكومات السابقة؟

الفساد في العراق وأزمة الدولة

إن الأزمة الراهنة لا تتعلق بالأرقام وحدها، بل بثقافة الفساد في العراق،

تلك الثقافة التي ترسخت في مفاصل الدولة حتى باتت تهدد جوهر الحكم الرشيد.

فالحديث عن محاولة أحد المسؤولين تقديم رشوة لرئيس الوزراء، إن ثبتت وقائعها،

لا ينبغي أن يدفعنا فقط إلى التساؤل عن جرأة الفاسد، بل يفرض علينا طرح أسئلة أعمق وأكثر خطورة.

كم مرة تكرر هذا المشهد في السابق؟

وكم مسؤولاً نجحت الرشوة في التأثير عليه؟

وكم قراراً سيادياً جرى تمريره في الغرف المغلقة بعيداً عن أعين الشعب؟

إن أخطر ما في الفساد أنه يتحول، مع مرور الزمن، إلى منظومة متكاملة.

وحينها لا يعود الفاسد يشعر بأنه يرتكب جريمة، بل يتعامل مع الأمر بوصفه ممارسة مألوفة اعتاد نجاحها،

مستنداً إلى نفوذ سياسي أو إداري أو اجتماعي يحميه من المساءلة.

نموذج الريتز كارلتون واسترداد الأموال

في هذا السياق، يستحضر كثيرون التجربة التي قادها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عام 2017،

حين أطلقت المملكة العربية السعودية حملة واسعة لمكافحة الفساد،

شهدت احتجاز عدد من الأمراء ورجال الأعمال والمسؤولين في فندق «ريتز كارلتون» بالرياض.

وقد انتهت تلك الحملة إلى تسويات مالية أدت إلى استعادة مليارات الدولارات إلى خزينة الدولة.

وبغض النظر عن الجدل الذي أثارته تلك التجربة، فإن الرسالة التي حملتها كانت واضحة:

لا أحد فوق القانون، والثروة العامة ليست ملكاً للأفراد، مهما بلغت مناصبهم أو اتسع نفوذهم.

وقد يكون العراق بحاجة إلى استلهام بعض جوانب هذه التجربة،

ولكن ضمن إطار دستوري وقضائي عراقي واضح، يحترم دولة القانون ويضمن العدالة والمساءلة في آن واحد.

ما الذي يحتاجه العراق لمواجهة الفساد؟

إن مواجهة الفساد في العراق لا يمكن أن تتم بالشعارات وحدها،

بل تحتاج إلى خطوات عملية واضحة، تقوم على ما يلي:

  1. تشكيل هيئة عليا مستقلة لاسترداد الأموال المنهوبة.
  2. فتح ملفات الفساد الكبرى دون استثناءات سياسية أو حزبية.
  3. إخضاع كبار المسؤولين والوزراء والمديرين العامين لكشف حقيقي للذمة المالية.
  4. ملاحقة الأموال والعقارات والحسابات المشبوهة داخل العراق وخارجه.
  5. إجراء تسويات قانونية تضمن إعادة الأموال العامة إلى الخزينة، وفق أحكام القضاء.
  6. سنّ تشريعات تمنع الإفلات من العقاب، مهما كانت الصفة السياسية أو الاجتماعية للمتهم.

فالشعوب لا تُفقر بسبب قلة الموارد، وإنما بسبب سوء إدارتها ونهبها. والعراق،

بما يمتلكه من ثروات هائلة، لا يليق به أن يصل إلى مرحلة الاستجداء أو الاقتراض لتأمين أبسط التزاماته،

بينما تتحول الأموال العامة إلى قصور وعقارات وسيارات فارهة وساعات باهظة الثمن.

معركة العراق الحقيقية

إن معركة العراق الحقيقية ليست مع انخفاض أسعار النفط،

بل مع الفساد الذي استنزف الدولة وأضعف مؤسساتها.

وعندما يصل الفساد إلى قصور الرئاسات، فإن القضية لا تعود قضية موظف مرتشٍ،

بل تصبح قضية دولة تحتاج إلى إصلاح جذري يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.

فلا يمكن بناء دولة قوية بأموال منهوبة،

ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل اقتصاد تُهدر موارده لصالح قلة من المنتفعين.

وإذا كانت بعض الدول قد استعادت ملياراتها المنهوبة بإرادة سياسية حازمة،

فإن العراق أولى بأن يستعيد ثرواته، لأن مستقبل الأجيال القادمة لا يجوز أن يبقى رهينة للفساد والمحاصصة والإفلات من العقاب.

وفي الختام، يجب التأكيد على أن التجربة السعودية جرت في سياقها السياسي والقانوني الخاص.

وأي دعوة إلى تبني نموذج مشابه في العراق ينبغي أن تتم من خلال الدستور، والقضاء المستقل،

وضمانات المحاكمة العادلة، بما يحقق استرداد الأموال العامة ومحاسبة الفاسدين ضمن إطار دولة القانون والمؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *