لكل مجتمع، أو أمة، أو دولة، أو أي كيان سياسي واجتماعي منظم،
فلسفة خاصة في إدارة شؤونه، سواء كانت هذه الشؤون محلية أو دولية.
وتمثل هذه الفلسفة المسار أو النهج الذي تسير عليه الدولة في إدارة أنظمتها ومؤسساتها المختلفة.
غير أن فلسفة إدارة الدولة لا تعني مجرد أدوات جاهزة، أو خطط وسياسات معدة سلفاً،
يمكن للدول تطبيقها كيفما تشاء. فإدارة الدولة ليست عملية نسخ أو محاكاة لتجارب مجتمعات أخرى،
بل هي عملية بناء تنطلق من طبيعة المجتمع نفسه، وتقاليده، وأهدافه، ومصالحه العامة.
فلسفة إدارة الدولة بين البناء والاستنساخ
إن فلسفة إدارة الدولة تمثل حالة من الانصهار والتفاعل بين مختلف مؤسسات الدولة،
وفق طبيعة المجتمع وتقاليده وأهدافه. ومن خلال هذا التفاعل تتشكل نوعية محددة في إدارة الدولة ومفاصلها.
وهذا يعني أن إدارة الدولة يجب أن تقوم على تأصيل نظري ينطلق من طبيعة المجتمع ذاته،
عبر تضافر جهود مؤسسات الدولة السياسية والاجتماعية.
وينبغي أن يكون البعد الاجتماعي الوطني هو القاعدة الأساسية لهذا التأصيل،
أي أن تكون المصالح العامة المشتركة هي المنطلق الرئيس لأي نهج في إدارة الدولة.
وإذا كان التأصيل النظري صعباً في هذه المرحلة،
بسبب تسارع الأحداث وكثرة المتغيرات السياسية العالمية وترابطها وتشعبها،
فإن تبني سياسات جاهزة قد يكون مرحلة أولية في هذا المسار.
لكن هذه السياسات يجب أن تُطوّع وفق الإمكانات الاجتماعية،
حتى يكون التمازج بين السياسات والتطبيقات سلساً،
بعيداً عن التعقيدات التي قد تسبب إرباكاً ومشكلات أكثر من ذي قبل.
أصل المشكلة في إدارة الدولة
إن المقصود من هذه المقدمة هو أن ما يعانيه البلد اليوم يمثل نتيجة طبيعية لغياب هذه الرؤية المتكاملة في إدارة الدولة.
فهذا الغياب يمثل حجر الزاوية، بل المشكلة الرئيسة التي لم نتمكن من تجاوزها حتى الآن.
ومن خلال العودة إلى تاريخ البلد، نجد أن كثيراً من السياسات التي تبناها لم تكن نابعة من داخله الاجتماعي،
بل جاءت في الغالب نتيجة فرض قسري، إما بفعل الاحتلال أو الإلزام السياسي والاجتماعي،
بدءاً من سقوط الدولة العباسية وصولاً إلى الواقع الذي نشهده اليوم.
وحتى لا نخوض كثيراً في تفاصيل التاريخ، يمكن الاكتفاء بقراءة المرحلة التي سبقت عام 2003 وما أعقبها.
فقد كانت طبيعة النظام قبل ذلك العام ذات نزعة اشتراكية تسلطية شديدة المركزية.
ولم تنطلق هذه الطبيعة من فهم عميق للمجتمع ومتطلباته،
بل من رغبة السلطة في السيطرة على جميع مفاصل الدولة بأي طريقة ووسيلة ممكنة.
ونتيجة لذلك، حدث انفصال واضح بين النظام القائم والمجتمع،
وكان من نتائج هذا الفشل في إدارة الدولة سقوط النظام عام 2003.
ما بعد 2003: مسارات متخبطة في إدارة الدولة
بعد عام 2003، بدأت مرحلة جديدة في إدارة الدولة، لكنها للأسف لم تتعظ كثيراً من التجربة السابقة.
فقد انتهج القابضون على السلطة مسارات متخبطة ومشوهة في إدارة الدولة؛
بعضها أعاد البلاد إلى أنماط قريبة من الاشتراكية، وبعضها حاول تجربة أدوات اقتصاد السوق الحر، وبعضها الآخر لم يكن له شكل واضح أو هوية محددة.
وفي المحصلة، وبغض النظر عن الأسلوب المتبع في الإدارة،
فإن أي نهج لا ينبع من صميم الواقع الاجتماعي للدولة وجوهره سيكون مصيره الفشل.
وبما أن الحكومات التي جاءت بعد عام 2003 نهجت طريق إدارة البلد وفق اقتصاد السوق،
لكنها وضعت الخطط والاستراتيجيات بمعزل عن المجتمع،
فقد فشلت الكثير من هذه الخطط والاستراتيجيات، أو عجزت عن تحقيق أهدافها بالشكل المطلوب.
اقتصاد السوق لا يقوم بالأدوات وحدها
إن المسألة لا تتعلق بمجرد تطبيق أدوات اقتصادية فحسب،
بل إن الأهم من ذلك هو تهيئة القواعد والأسس الاجتماعية لهذا النظام.
فنجاح اقتصاد السوق يتطلب تأسيس بنية اجتماعية صحيحة للعمل، تنسجم مع ما يريد النظام السياسي تحقيقه.
وهذا يعني أن على الحكومة أن تضع في تفكيرها جملة من العوامل الواجب توفرها،
حتى يمكن تطبيق أدوات اقتصاد السوق الحر بفاعلية ونجاح.
ومن أهم هذه المتطلبات تهيئة المجتمع نفسياً وسلوكياً لتقبل قواعد اقتصاد السوق.
وهذا لا يتحقق إلا من خلال تعديل أو تغيير ذهنية المجتمع، كي يعتاد على مفهوم اقتصاد السوق الحر، خصوصاً أن هذا المجتمع عاش تحت نير المركزية والشمولية لأكثر من ثلاثة عقود، واعتاد عليها سواء طوعاً أو إجباراً.
متطلبات نجاح اقتصاد السوق اجتماعياً
لكي تنجح الدولة في تحقيق أهداف اقتصاد السوق على المستوى الاجتماعي،
لا بد أن تعمل الحكومات على مجموعة من المسارات الأساسية.
تشجيع المبادرات الفردية
ينبغي تشجيع وتنمية روح المبادرات الفردية القائمة على التنافس والابتكار داخل المجتمع.
فاقتصاد السوق يعمل بطريقة مختلفة عن النظام الاشتراكي، إذ يركز على الفرد أكثر من الجماعة، باعتباره الأساس الذي يقوم عليه هذا النظام.
ولا يعني ذلك إلغاء دور الجماعة، بل يعني التركيز على الفرد بوصفه نواة الجماعة وسبب وجودها،
ومن ثم فإن بناء الفرد القادر على المبادرة والإنتاج والابتكار هو شرط أساسي لبناء مجتمع اقتصادي فاعل.
ترسيخ الكفاءة والاعتماد على النفس
من الضروري ترسيخ فكرة البقاء للأفضل، لأن محور عمل نظام اقتصاد السوق يقوم على الكفاءة والمهارة.
كما يجب ترسيخ مبدأ الاعتماد على النفس داخل المجتمع، بدءاً من الأطفال في رياض الأطفال والمدارس.
ولا يعني ذلك سلخ الفرد عن عائلته أو دفعه إلى عزلة فردية، بل يعني أن يعي الإنسان منذ طفولته معنى تحمل المسؤولية، وأهمية الكفاءة، وقيمة العمل، وضرورة تطوير الذات.
حماية الحريات الفردية والفكرية
من المتطلبات الأساسية أيضاً توفير مساحة أوسع للحريات الفردية والفكرية، وحرية إبداء الرأي والحوار، وحمايتها، وجعلها مبدأ ثابتاً في العمل على مستوى العائلة، والشارع، والمؤسسات، وسوق العمل.
فالإبداع والابتكار يبدأان في الأساس من فكرة، ولا يمكن للفكرة أن تنمو في بيئة مغلقة أو خائفة أو مقيدة. لذلك فإن بناء اقتصاد حيوي يتطلب بيئة اجتماعية وسياسية تسمح بالتفكير، والنقاش، والتجريب، والمبادرة.
خلاصة القول
يقع على عاتق الحكومة، وهي تنتهج إدارة الدولة وفق اقتصاد السوق،
أن تأخذ بنظر الاعتبار ضرورة تثقيف المجتمع، وزيادة وعيه، وتهيئته سلوكياً ونفسياً بالشكل الذي يجعل تحقيق أهداف اقتصاد السوق ممكناً.
غير أن هذا النهج يجب أن يكون منسجماً مع طبيعة شرائح المجتمع المختلفة الموجودة في البلد،
وأن يضع في الاعتبار الصالح العام المشترك، بعيداً عن العواطف، والمزاجيات، والاجتهادات الخاطئة.
فالتحول الحقيقي في إدارة الدولة لا يتحقق عبر قرارات متفرقة أو سياسات مستوردة،
بل عبر عمل مؤسساتي شامل، تشترك فيه مختلف مؤسسات الدولة لإحداث التغيير الاجتماعي المنشود نحو الأفضل.
