الدين القومي الأمريكي عند 37 تريليون دولار: أزمة مالية أم نهاية الهيمنة؟

الدين القومي الأمريكي عند 37 تريليون دولار: أزمة مالية أم نهاية الهيمنة؟
تناقش المقالة أزمة الدين القومي الأميركي البالغ 37 تريليون دولار، وتأثيراته المحتملة على الهيمنة العالمية، وتطرح أربعة سيناريوهات تتراوح بين التيسير الكمي، التقشف، الحرب، أو إدارة مبتكرة قد تعيد صياغة النفوذ الأميركي...

يشهد العالم اليوم، لحظة مفصلية في التاريخ الأمريكي، حيث تجاوز “الدين القومي الأمريكي” 37 تريليون دولار، أي ما يعادل 130% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى تاريخي، حسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية الأخيرة.

وبناءً على تقارير الفيدرالي الأمريكي، فان الدين ينمو بمعدل 1 تريليون دولار كل 100 يوم وهذا يعني ان “زيادة الدين” الأمريكي كل ثلاثة أشهر تعادل اقتصاد مملكة إسبانيا السنوي.

كما ان الفائدة السنوية قاربت 1.5 تريليون دولار، أي أعلى من ميزانيات “الدفاع والرعاية الصحية” مجتمعة وهو ما يشكل 75% من إيرادات الضرائب الفيدرالية الامريكية.

ولكن، هل هذا يعني أن امريكا تتجه نحو سقوط مفاجئ؟ أم أن لديها مساحة للمناورة بفضل مزاياها الاستثنائية!؟

حسب هذا يطرح الخبراء أربعة سيناريوهات لمستقبل أمريكا:

  • استمرار طباعة الدولار وتمويل العجز، عبر إصدار سندات خزانة جديدة لسداد الدين القديم، مع اعتماد الفيدرالي على التيسير الكمي كما حدث في (2008 و2020).

وهذا ما تفعله اليابان حيث انها تعيش بدين يتجاوز 260% من الناتج المحلي دون أزمة لسيطرتها على سوق الديون المحلية.

لكن يرى المتخصصون ان هذا سيؤدي بالنتيجة الى، تآكل الثقة بالدولار إذا ما تجاوز التضخم الـ (5%) سنوياً وقد وصل بالفعل الى معدل (4.3%) نهاية 2024، مما سيعجل من تحول بعض الدول (مثل الصين، روسيا، والسعودية) وغيرها الدول إلى أصول بديلة (الذهب، اليوان، العملات الرقمية).

  • التخلف عن السداد، وفشل الكونغرس في رفع سقف الدين (كما حدث عام 2011 و2023 لكن بتداعيات أكبر)، وإعادة هيكلة قسرية كما فعلت اليونان، والأرجنتين، لكن بأثر عالمي كارثي ومدوّي.

حسب الخبراء سيؤدي هذا الى انهيار سوق السندات العالمية، ارتفاع الفائدة، وشلل اقتصادي كبير.

كما ان هذا الاحتمال قد يدفع الصين وروسيا إلى تسريع التخلي عن الدولار في تجارتهما الثنائية.

  • التقشف ورفع الضرائب، عن طريق خفض الإنفاق العسكري (الذي يمثل 50% من الإنفاق الفيدرالي)، رفع ضريبة الشركات من 21% إلى 28% وهذا هو مقترح الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في عام 2024.

لكن هذا الموضوع سيعمق الانقسام السياسي لان أي محاولة لخفض لميزانية البنتاغون أو زيادة الضرائب ستواجه رفضاً جمهورياً حاداً.

كما انه سيؤدي الى ركود اقتصادي كبير، كما حدث في ” اسبانيا، إيطاليا، واليونان” من ازمة الديون السيادية وتقشف ما بعد 2008، وأدى إلى ركود طويل في جنوب أوروبا، حسب المعنيين في الشأن الاقتصادي.

  • الحرب أو إعادة تشكيل النظام العالمي (السيناريو الجيوسياسي المظلم)، عن طريق تصعيد عسكري مع الصين حول تايوان أو مع روسيا في أوكرانيا او الشرق الأوسط مع إيران الامر الذي سيحفز الصناعة العسكرية، ويجبر الحلفاء على دعم الدولار (كما حدث بعد 11 سبتمبر).

لكن مراقبون يرون، ان أمريكا غير مهيئة حاليا للدخول في هكذا حروب، وقد يؤدي تورطها، الى تصاعد دعوات الانفصال والتفكك الداخلي في عدة ولايات مثل كاليفورنيا (ناتجها يساوي فرنسا) أو تكساس.

كما انه سيطابق إخفاق الحملة البريطانية الفرنسية لاستعادة قناة السويس بعد تأميمها من قبل الرئيس المصري عبد الناصر عام 1956 الامر الذي تحول الى كارثة جيوسياسية وكشف عن نهاية هيمنة بريطانيا وأنهى دور الإسترليني كعملة احتياطية عالمية.

 متى نصل إلى نقطة اللاعودة؟

حسب الخبراء المتخصصين، فأننا سنشهد حتى نهاية عام 2027، اختبارا صعبا جدا لقدرة الفدرالي الأمريكي، على الموازنة بين كبح التضخم وتمويل الدين، كما ان هذه الفترة ستكون فترة مراقبة لتحركات الاقتصادات العالمية الأخرى كالصين وروسيا، وأيضا سوق الطاقة خاصة النفط، فلربما تحولت صفقات الطاقة الى اليوان الصيني، او غيره من العملات المتوقع ظهورها كعملة بريكس المفترضة، الامر الذي سيؤدي الى إزاحة الدولار عالميا.

كما يعتقد الاقتصاديون بناء على تقديرات مكتب الميزانية في الكونغرس (CBO) ان الاقتصاد الأمريكي نهاية عام 2030 سيشهد تجاوزا كبيرا للفائدة على حساب الإيرادات الضريبية الفدرالية، ما سيؤدي الى حدوث تضخم مفرط، كما حدث في المانيا 1923 بعد الحرب العالمية الأولى، حيث وصلت معدلات التضخم الى مستويات خيالية، وأصبحت الأموال (المارك) تستخدم كوقود للتدفئة او كورق حائط.

او حدوث إصلاح جذري (زيادة الضرائب + خفض الإنفاق بنسبة 20%)، والذي ستكون له نتائج اقتصادية، اجتماعية، وسياسية خطيرة ومعقدة، بسبب تباطئ النمو والركود، وانهيار سوق السندات، الامر الذي سيفضي الى احتجاجات واضطرابات عنيفة تهز البلاد.

هل نحن أمام نهاية الإمبراطورية؟

النظرة الواقعية تؤكد ان امريكا لن تسقط بين ليلة وضحاها، لكنها قد تدخل في انهيار وانحدار طويل، كما حدث لبريطانيا في حملة قناة السويس (1956) الذي أدت الى انهيار هيمنتها وخسر الإسترليني مكانته العالمية دون حرب كونية، او كما حدث لروما في (القرن الثالث الميلادي) عندما أنهك التضخم والديون، جيش الامبراطورية قبل الغزوات، وأدى الى تفككها لاحقا.

الخلاصة:

ان التحدي الأكبر، الذي ستواجهه الولايات المتحدة، هو الابتكار المالي حسب الخبراء، فهل ستستطيع اختراع اليات جديدة للخروج من هذه الازمة.

اما التحدي الاخر فهو منافسة الصين التي تستثمر 7% من ناتجها في البحث والتطوير، ولديها فائض سنوي بنحو 1.7% من الناتج المحلي الإجمالي أي “حوالي 300 مليار دولار” في السنوات الأخيرة.

أخيرا يرى الخبراء، ان الإدارة الذكية للازمة، ستكون هي الفاصل، حيث يمكن ادارة هذه الازمة بدل حلها، كما يقول الاقتصادي الأمريكي “تشارلز كيندلبرغر” في عبارته الشهيرة ان “الديون التي لا تُسدد، تُدار” عبر:

–      ادراة التضخم عن طريق تقليل القيمة الحقيقية للدين.

–      القوة العسكرية وإجبار العالم على القبول بالدولار.

–      انشاء تحالفات جديدة واستمالة الهند والاتحاد الأوروبي.

ويبقى السؤال المركزي هو:

“هل سيكون العقد القادم هو عصر “الانحدار الأمريكي” أم “إعادة اختراع الهيمنة”؟

يقول المؤرخ البريطاني بول كينيدي الذي تنبأ بضعف وانهيار أمريكا:

“الإمبراطوريات، تسقط عندما يتجاوز طموحها مواردها”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *