السوري يلعب سياسياً وإعلامياً على تناقضات الشيعة والمسيحيين

النفوذ السوري في لبنان بين الشيعة والمسيحيين
قراءة في النفوذ السوري في لبنان، بين حسابات دمشق وأنقرة، ورفض المسيحيين للوصاية، ومحاولات فتح قنوات مع البيئة الشيعية...

النفوذ السوري في لبنان وإعادة التموضع الإقليمي

أمضيت أكثر من ثلاثة عقود أراقب السياسة اللبنانية والإقليمية والدولية،

حتى بتُّ أشعر أن السنوات لم تعد تُقاس بالعمر، بل بعدد التحولات التي يشهدها العالم في يوم واحد.

وخاصة أنني كنت شاهداً وسمعت الكثير من النقاشات التي سبقت 13 تشرين 1990 وما بعده.

ومن هذا المنطلق، يبدو النفوذ السوري في لبنان جزءاً من إعادة تموضع إقليمي، أكثر من كونه مجرد ملف يتعلق بنزع سلاح حزب الله.

فالسلطة السورية الجديدة تعمل على فتح قنوات تواصل مع معظم القوى اللبنانية.

وفي الوقت نفسه، تسعى إلى طمأنة أنقرة بأن أي دور سوري في لبنان لن يكون على حساب المصالح التركية.

بل قد يساهم، من وجهة نظرها، في تعزيز الاستقرار الذي تحتاجه المنطقة.

لكن تركيا، في المقابل، تدرك أن دمشق تحاول إدارة توازنات دقيقة.

فهي لا تريد خسارة الحليف التركي في هذه المرحلة، كما لا تريد التفريط بالفرصة والتفويض الذي منحه الرئيس ترامب للرئيس الشرع بدخول لبنان.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرئيس الشرع يسعى إلى بناء سياسة خارجية تمنحه هامشاً واسعاً للمناورة.

كما يستفيد من تجارب حافظ الأسد السابقة في إدارة العلاقات الدولية.

النفوذ السوري في لبنان بين السياسة والاقتصاد

إن استعادة النفوذ السوري في لبنان، إن حصلت، لا تعني مكسباً سياسياً فحسب، بل تحمل أيضاً أبعاداً اقتصادية واجتماعية.

فالسوق اللبنانية كانت تاريخياً متنفساً للاقتصاد السوري، وكانت تضخ فيه مليارات الدولارات.

كما أن عودة حركة الاستثمارات والعمالة السورية قد تخفف من الضغوط الداخلية التي تواجهها دمشق.

فضلاً عن ذلك، قد تعيد هذه العودة منح سوريا دوراً إقليمياً يجعل الكثير من الملفات اللبنانية يمر عبر البوابة السورية، كما كان الحال في مراحل سابقة.

غير أن القيادة السورية تدرك أيضاً أن أي عودة إلى لبنان بالقوة ستجعل كلفتها باهظة.

ولا يرتبط ذلك بالانقسام اللبناني فقط، بل يرتبط أيضاً باحتمال اتساع رقعة المواجهة الإقليمية إذا تطورت الأحداث إلى صدام مع قوى مرتبطة بإيران أو العراق دفاعاً عن بيئتها اللبنانية.

لذلك، تبدو رسائل التهدئة التي تصدر باتجاه مختلف القوى اللبنانية، بما فيها حزب الله،

جزءاً من محاولة لتهيئة مناخ سياسي يخفف احتمالات المواجهة المباشرة مع اللبنانيين وحتى الأتراك الرافضين هذا التدخل.

فأنقرة تعطي الأولوية لاستقرار سوريا، ولا سيما في ظل حساسية الملف العلوي وانعكاساته الداخلية على الأمن التركي.

ومن هنا، تبدو تركيا متحفظة على أي خطوة قد تؤدي إلى زعزعة هذا الاستقرار، أو إلى فتح جبهة لبنانية جديدة تزيد المشهد الإقليمي تعقيداً.

المزاج المسيحي ورفض الوصاية السورية

أما في الداخل اللبناني، فتبرز معادلة مختلفة تماماً. فالمزاج السياسي المسيحي، على اختلاف اتجاهاته، يبدو أنه اتخذ قراره النهائي برفض عودة أي وصاية سورية على لبنان.

ويظهر هذا الرفض مهما كانت المبررات، ومهما ارتبطت بعناوين مثل معالجة ملف سلاح حزب الله أو إعادة تنظيم العلاقات الأمنية بين البلدين.

وبينما لا يعارض معظم المسيحيين إقامة أفضل العلاقات مع الدولة السورية الجديدة على قاعدة الندية والاحترام المتبادل، فإن تجربة العقود الماضية جعلت فكرة عودة القوات السورية إلى الأراضي اللبنانية خطاً أحمر يصعب تجاوزه بالنسبة إليهم.

وفي المقابل، تحاول دمشق فتح قنوات مع البيئة الشيعية، بالتوازي مع استمرار خطاب إعلامي سوري يتحدث عن إمكان التدخل في لبنان تحت عنوان نزع سلاح حزب الله.

كما أن بعض الدعوات التي تتكرر بشأن إخلاء القرى الحدودية، أو إعادة تنظيم الواقع الأمني في تلك المناطق،

يقرأها كثيرون في إطار ممارسة ضغوط سياسية أكثر من كونها إجراءات ميدانية.

دمشق بين البيئة الشيعية والرفض المسيحي

يعتقد بعض المراقبين أن دمشق تراهن على أن أي تفاهم مع القوى الشيعية قد يسهّل عليها استعادة دورها في لبنان، حتى لو بقي الرفض قائماً لدى القوى المسيحية.

إلا أن هذه المقاربة تحمل في طياتها مفارقة تاريخية.

فالتجربة اللبنانية أثبتت أن التحالفات التي فتحت الباب أمام الدخول السوري في سبعينيات القرن الماضي انتهت لاحقاً إلى صدامات قاسية مع دمشق نفسها.

لذلك، تبدو محاولة إعادة إنتاج تلك التجربة محفوفة بالمخاطر.

ويبقى عنصر آخر لا يجوز تجاهله. فالجيش السوري الذي دخل لبنان عام 1976 كان جيش دولة تقليدية،

وضم في صفوفه ضباطاً وجنوداً من مختلف المكونات السورية.

أما الجيش السوري اليوم، بعد سنوات الحرب والتحولات التي شهدتها سوريا، فهو يختلف في بنيته وتركيبته وظروف نشأته.

وهذا ما يجعل المقارنة بين المرحلتين غير ممكنة بصورة كاملة،

ويزيد حساسية أي نقاش يتعلق بإعادة انتشار قوات سورية داخل لبنان.

النفوذ السوري في لبنان والمصلحة الوطنية اللبنانية

هنا يجب أن تكون المصلحة اللبنانية قبل أي اعتبار آخر.

كما يجب بناء موقف وطني جامع يحول دون إعادة إدخال لبنان في دائرة الوصايات الخارجية، أياً يكن مصدرها أو عنوانها.

فلبنان يقف اليوم على تقاطع متغيرات إقليمية ودولية عميقة.

وأي خطأ في الحسابات قد يحول البلاد مرة جديدة إلى ساحة تتصارع فوقها مشاريع الآخرين، ويدفع اللبنانيون وحدهم الثمن.

ومن هنا، فإن النقاش حول النفوذ السوري في لبنان لا ينبغي أن يبقى أسير الحسابات الفئوية أو التوازنات المؤقتة.

بل يجب أن ينطلق من قاعدة واضحة، وهي حماية القرار اللبناني، ومنع تحويل التناقضات الداخلية بين الشيعة والمسيحيين إلى مدخل جديد للوصاية أو الصراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *