من التهديد إلى التراجع: قراءة إستراتيجية في سلوك “إرهاب الدولة” الأمريكي

إرهاب الدولة الأمريكي من التهديد إلى التراجع
قراءة استراتيجية في سلوك إرهاب الدولة الأمريكي تجاه إيران، بين الرواية المختلقة، حسابات الردع، السقوط القانوني، وتواطؤ إسرائيل ومجلس الأمن...

إرهاب الدولة الأمريكي بين التهديد والتراجع

شهد العالم تقلبات حادة في الموقف الأمريكي تجاه إيران. فقد بدأت هذه التقلبات صباحاً بتهديدات لضرب مصادر الطاقة، ثم ارتفعت الوتيرة إلى شن هجمات قاسية وعنيفة جداً ضد أهداف ومصالح إيرانية، وانتهت بتراجع مذل ومفاجئ. ومن هنا، يكشف إرهاب الدولة الأمريكي أزمة عميقة في صانع القرار الأمريكي.

هذا التخبط يعكس أزمة عميقة في صانع القرار الأمريكي، حيث تتصادم غطرسة القوة، أو ما يمكن وصفه بـ«الأنا المتفجرة»، مع حقائق الميدان ومعادلات الردع. لذلك، لا يمكن قراءة هذا السلوك بوصفه مجرد مناورة سياسية، بل بوصفه نمطاً من أنماط التصعيد غير المنضبط.

الرواية الأمريكية المختلقة مقابل حقائق الميدان

حاولت الإدارة الأمريكية إخراج تراجعها في قالب «دبلوماسي» يحفظ ماء وجه ترامب. وفي هذا السياق، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أن ترامب ألغى هجوماً عسكرياً كان مخططاً له ضد إيران، لإفساح المجال أمام المفاوضات.

كما ادعى الرئيس الأمريكي أن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط طلبت تأجيل أي هجوم، بعد التوصل إلى خطوط عريضة لاتفاق. وزعم ترامب أن هذا الاتفاق يشمل الفتح الفوري والكامل لمضيق هرمز، وإنهاء التهديد النووي الإيراني.

وبرر ترامب تراجعه بأنه وافق على إلغاء الهجوم من أجل مستقبل أفضل للعالم، وكذلك من أجل بقاء إيران دولة ناجحة ومزدهرة. لكن، في المقابل، تتكشف الأسباب الحقيقية لهذا التراجع، وهي أسباب لا علاقة لها بالحرص على ازدهار طهران أو مستقبل العالم.

فقد نفى محمد مرندي، المستشار السابق لفريق التفاوض الإيراني، الرواية الأمريكية بشكل قاطع. كما أكد مرندي أن واشنطن هي التي عدلت عن العدوان العسكري، وليس طهران، مشيراً إلى أن «ترامب هو من تراجع».

وقد جمّد ترامب خطط التصعيد العسكري بناءً على نصائح وتحذيرات من قادة ومسؤولي البنتاغون. وجاء هذا التحذير العسكري خوفاً من استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية وأنظمة الدفاع الجوي بشكل خطير في حال اندلاع هجوم واسع.

ويُضاف إلى ذلك أن التقييمات الاستخباراتية أكدت عدم جدوى العدوان. كما عززت الرسالة الإيرانية الصارمة عبر باكستان هذا التقدير، لأنها أوضحت أن الرد سيكون مزلزلاً وشاملاً على كل المصالح الأمريكية.

إضافة إلى ذلك، أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحذيرات أمنية للسفارات في الأردن والعراق وإسرائيل. وقد طالبت هذه التحذيرات الرعايا بالاستعداد لمغادرة المنطقة، مما يعكس حجم التخبط والرعب من التداعيات.

السقوط القانوني والانتقال إلى إرهاب الدولة الأمريكي

في الجانب القانوني، أسقط هذا السلوك كل المسوغات والادعاءات الأمريكية. لذلك، يظهر إرهاب الدولة الأمريكي هنا بوصفه انتقالاً من التهديد السياسي إلى تهديد النظام القانوني الدولي نفسه.

انتهاك ميثاق الأمم المتحدة

إن التهديد باستخدام القوة لتدمير مصادر الطاقة والبنى التحتية ينسف القانون الإنساني الدولي. كما يخالف صراحة الفقرة 4 من المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة.

سقوط حجة الدفاع عن النفس

لا يمكن تبرير هذه التهديدات تحت المادة 51، لعدم وجود هجوم مسلح مباشر أو مبرر شرعي للضربات الاستباقية. وبالتالي، تسقط الحجة القانونية التي تحاول واشنطن استخدامها لتبرير التصعيد.

إرهاب الدولة

يتحول سلوك الدولة العظمى إلى «إرهاب دولة» عندما تتخلى عن الدبلوماسية، وتلجأ إلى أدوات الترهيب العسكري، والحصار الاقتصادي الخانق، والتهديد بالإبادة الشاملة دون أي تفويض أممي. وتستخدم هذه الأدوات كوسائل ابتزاز سياسي لإخضاع الدول ذات السيادة وتحصيل تنازلات.

الشراكة والتواطؤ: إسرائيل ومجلس الأمن

لا تعمل الإدارة الأمريكية في فراغ. فهناك شركاء في هذا الإرهاب الممنهج، وجهات دولية تتواطأ عبر صمتها. ومن هنا، لا يقتصر إرهاب الدولة الأمريكي على القرار الأمريكي وحده، بل يمتد إلى شبكة دعم وتحريض وصمت دولي.

الدور الإسرائيلي

تلعب إسرائيل دور الشريك الأساسي والمحرض في هذا النمط من الإرهاب الممنهج، عبر الاعتداءات والاغتيالات من دون أي غطاء قانوني. كما تمنح هذه الشراكة التصعيد بعداً إقليمياً أكثر خطورة.

تآمر مجلس الأمن

تتجلى الازدواجية في المعايير وازدراء القانون الدولي في غياب أي تحرك رادع من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة. فبينما يسارع الأمين العام غوتيريش إلى التعبير عن القلق والمطالبة بوقف إطلاق النار حين تمارس المقاومة حقها في الدفاع عن النفس، يلوذ بالصمت أمام غطرسة ترامب.

إن صمت مجلس الأمن منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 هو ما شرعن هذه البلطجة اليوم. كما رسخ هذا الصمت نظاماً عالمياً يُدار بـ«قانون الغاب» بدلاً من «قوة القانون».

سايمون تيسدال وأزمة غياب الاستراتيجية

رأى معلق الشؤون الخارجية في صحيفة «الغارديان»، سايمون تيسدال، بتاريخ 19 تموز الحالي، في قراءة نقدية حادة لسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، أن «الخطر الأكبر لا يكمن فقط في قوة الخصوم أو طبيعة الصراع، بل في غياب استراتيجية واضحة لإدارة الأزمة».

وأضاف تيسدال أن «حب ترامب لذاته هو العدو العالمي الأول». كما قال: «إنه السبب الرئيسي وراء تصاعد هذه الحرب بشكل لا يمكن السيطرة عليه مرة أخرى. إنه سلاح دمار شامل متنقل».

وأضاف تيسدال أن ترامب أصبح العامل الأكثر خطورة في الأزمة الإيرانية. واعتبر أن طريقة إدارته للصراع دفعت الولايات المتحدة والعالم إلى مأزق سياسي واقتصادي وعسكري يصعب الخروج منه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *