اتحاد طلاب فلسطين وعودة الدم إلى العروق
عُقد المؤتمر العام الحادي عشر لـ اتحاد طلاب فلسطين في العاصمة اللبنانية بيروت، على مدار 3 أيام، من يوم الأربعاء 29 إلى يوم الجمعة 31 تموز/يوليو الماضي 2026. وجاء ذلك بعد أن تعذر عقده في الوطن الفلسطيني لأسباب ذاتية وموضوعية، وبعد انقطاع دام 36 عاماً، ترك علامات سؤال مهمة على دور ومكانة أحد أهم روافد منظمة التحرير الفلسطينية.
بيد أن إصرار القيادة الفلسطينية، برئاسة الرئيس محمود عباس، وجهات الاختصاص في المنظمة وفصائلها الـ 9، على إعادة الحياة إلى الاتحاد، مكّن اللجنة التحضيرية، بعد جهود مضنية خلال العام والنصف الماضي، من الإعداد الجيد لضخ الدم في عروق الاتحاد، وإحداث نقلة جادة في سيرورة عمله.
وكان للحضور والزخم القيادي الفلسطيني، من أعضاء اللجنتين التنفيذية للمنظمة والمركزية، ومشاركة الأمناء العامين أو من ينوب عنهم من فصائل المنظمة، دور مهم في تعزيز روح الشراكة الوطنية. كما ساهمت مشاركة ممثلين عن الحكومة اللبنانية وممثلي الاتحادات الدولية والعربية في التغلب على أية عقبات واجهت المؤتمر ونجاحه.
اتحاد طلاب فلسطين ورافعة النضال الوطني
كان اتحاد طلاب فلسطين، منذ تأسيسه عام 1959 في القاهرة المصرية، وقبل ولادة منظمة التحرير الفلسطينية، عنواناً مهماً ومركزياً للنضال الوطني. كما كان رافعة أساسية في الساحات العربية والدولية كافة، وحاملاً ريادياً لهموم وقضايا الشعب في المحافل المختلفة.
وشكّل الاتحاد نقطة الضوء وإشعاع الأمل في تسليط الضوء على قضية العرب المركزية، فلسطين. كما كان الرحم الذي أنجب وصنع وفولذ القيادات الفلسطينية، ومنهم الشهداء والأحياء: ياسر عرفات، وجورج حبش، ونايف حواتمة، وتيسير قبعة، وفيصل الحسيني، وحنان عشراوي، ووليد الخالدي، والعشرات والمئات من قادة الحركة الوطنية.
ولم يزل الاتحاد رافداً أساسياً لتلاقح الأجيال، ونبعاً دائماً لرفد الحركة الوطنية بالقيادات من الأجيال الجديدة من الجنسين. فقد كانوا وما زالوا قناة أساسية للكفاح التحرري، وصناع المستقبل في مختلف ميادين العمل والحياة.
ويشمل ذلك الطب والهندسة والتاريخ والعلوم الإنسانية، وحقول الثقافة والمعرفة والإعلام والتربية الأكاديمية كافة. غير أن الانقطاع الصعب لنحو أربعة عقود، غير المبرر ولا المفهوم، ترك ندوباً سلبية على مسيرة الحركة الطلابية ودورها ومكانتها.
المؤتمر الحادي عشر في لحظة فلسطينية قاتمة
لذلك، فإن انعقاد المؤتمر الحادي عشر لـ اتحاد طلاب فلسطين في هذه اللحظة التاريخية الأشد بؤساً وقتامة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، كان أكثر من ضرورة وطنية. فقد جاء لتفعيل دور الطلاب المنظم في م. ت. ف.، الممثل الشرعي والوحيد، ولا سيما أن الاتحاد، على مدار عقود وجوده، شكّل وما زال يشكل الحاضنة والرافعة الأهم للحركة الطلابية.
كما أن أهمية المؤتمر وضرورته تنبع من كونه يأتي في ظل الإبادة الجماعية الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني. فقد أصابت هذه الإبادة الوطن والجماهير الفلسطينية عموماً، وقطاع غزة خصوصاً، في مقتل بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وما زالت آثارها وأهوالها جاثمة على أنفاس الشعب وحياته حتى اللحظة الراهنة. وقد سقط خلالها، بين شهيد وجريح، عشرات الآلاف من التلاميذ والطلاب والمعلمين والمعلمات والأكاديميين من الجنسين.
ويأتي ذلك في استهداف واضح وعميق من قبل دولة إسبرطة الإسرائيلية النازية لبناة المستقبل والعلم. كما يستهدف هذا النهج تجهيل الشعب الفلسطيني، الذي شكّل العلم لأجياله المتعاقبة ركيزة أساسية في تعزيز الوعي الوطني والقومي.
ومن خلال هذا الوعي، حمل الشعب الفلسطيني راية الحرية والاستقلال والعودة وتقرير المصير. كما أبقى شعلة الكفاح متقدة حتى بلوغ هدف استقلال الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشرقية، وذات السيادة على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967.
الهيئات القيادية الجديدة وملاحظات التوسيع
ونحن نبارك للهيئات القيادية، الهيئة التنفيذية والمجلس الإداري، التي انتخبها مندوبو المؤتمر الـ 250 طالباً وطالبة من 45 فرعاً ودولة. كما نبارك إعطاء المؤتمر زخماً ودوراً متميزاً لطلبة الشعب من داخل الوطن، من دون الانتقاص من دور تمثيل الطلاب في دول الشتات والمنافي.
إلا أني أضم صوتي إلى الأصوات التي سجلت تحفظها على توسيع وتضخيم أعضاء الهيئات القيادية للاتحاد، مما قد يؤثر على عملها ودورية انعقادها. فقد برز نوع من الاستسهال في زيادة الأعضاء.
فكان عدد أعضاء الهيئة التنفيذية قبل المؤتمر لا يتجاوز 13 عضواً، أما الآن فقد بات عددهم 25 عضواً. وكان المجلس الإداري يضم 33 عضواً، أما الآن فقد أصبح 75 عضواً. ولا أعرف ما هي الحكمة من زيادة العدد، سوى استرضاء بعض الكفاءات الطلابية، ولحسابات تنظيمية.
ورغم ذلك، لا يجوز لهذه الهنات أن تغطي أو تؤثر على الإيجابيات المهمة لنجاح المؤتمر الحادي عشر. ولعل هذه الزيادة تكون مصدراً إيجابياً في دور الهيئات القيادية، وفي زج هذه الأعداد في تحمل مسؤولياتها النقابية والسياسية.


