أصدر البنك المركزي العراقي بتاريخ 24/6/2025 كتابًا رسميًا موجّهًا إلى كافة المصارف وشركات مزوّدي خدمات الدفع الإلكتروني يتضمن تفاصيل “مشروع منظومة المخطط الوطني للبطاقات”، والذي يهدف إلى توحيد بنية الدفع الوطنية وإصدار بطاقات محلية ذات معايير موحدة، مع إلزام الأطراف كافة بالامتثال لهذا النظام الجديد. ورغم أن الهدف الظاهري هو “تعزيز الشمول المالي وتحقيق السيادة الرقمية”، إلا أن مضمون الكتاب يتضمن مخالفة صريحة وجسيمة لقانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم 14 لسنة 2010.
تحليل قانوني لمخالفة الكتاب لأحكام قانون المنافسة
-
تقييد حرية المنافسة (المادة 4 من القانون)
ينص قانون المنافسة في المادة (4) على منع “أي ممارسات من شأنها الحد من حرية المنافسة أو تقييدها أو منعها”.
بينما كتاب البنك المركزي يفرض على جميع المصارف ومزودي الخدمة الالتزام حصراً بمنظومة محددة للبطاقات (وطنية)، ما يعني إلغاء التعددية التنافسية في السوق العراقية، ويمنع المصارف من التعاقد مع جهات إصدار خارجية أو نظم دفع دولية (Visa/MasterCard وغيرهما) إلا في نطاق محصور جدًا.
-
التمييز بين المتعاملين
يؤسس القرار لمنظومة “موحدة” بواجهة واحدة، وهذا يؤدي عمليًا إلى تمييز غير مبرر بين مقدمي الخدمات الحاليين، خصوصاً من يمتلكون اتفاقيات قائمة مع شركات عالمية ويؤسسون منصات مرنة ومتقدمة فنيًا. التمييز هذا يتعارض مع مبدأ الحياد التنافسي.
-
فرض هيمنة احتكارية
يشير الكتاب إلى تخصيص معرفات BIN و AID فقط عبر البنك المركزي، مما يعني أن السلطة الوحيدة التي يمكنها إصدار واعتماد البطاقات في العراق ستكون عبر الجهة الحكومية، وهذا يخلق مركزًا احتكاريًا خالصًا في سوق يُفترض أن يكون تعدديًا حرًا.
الانعكاسات الاقتصادية والتنظيمية للقرار
-
تقويض الابتكار
القرار يؤدي إلى قتل روح الابتكار لدى الشركات الخاصة، إذ لا يمكنها تطوير حلول جديدة أو تقديم خدمات متقدمة طالما النظام موحد ومقيد، ما سيؤدي إلى تخلف قطاع التكنولوجيا المالية العراقي مقارنة بالدول المجاورة.
-
تهديد الاستثمار الأجنبي
منع الشركات من استخدام الشبكات العالمية بحرية يُعد بيئة طاردة للمستثمرين وشركات الدفع الكبرى، التي تبحث عن بيئة تشريعية مرنة وتنافسية.
-
التأثير على المستهلك النهائي
حين تكون هناك جهة واحدة تفرض أسعارًا ورسومًا وشروطًا موحدة، فإن المستهلك (المواطن) هو الضحية الأكبر، حيث يفقد حقه في اختيار مزوّد الخدمة الأقل تكلفة أو الأعلى كفاءة.
هل يمتلك البنك المركزي هذا الحق؟
رغم أن البنك المركزي يتمتع بسلطة تنظيم النظام المالي، لكنه ملزم أيضًا بعدم مخالفة القوانين النافذة، ومنها قانون المنافسة ومنع الاحتكار. والتصرف كمشرّع فوقي بفرض مسارات سوقية حصرية يُعد تجاوزًا على التشريعات البرلمانية، خصوصًا أن قانون البنك المركزي ذاته لا يمنحه صراحة سلطة تقييد التعدد في نظم الدفع أو حصرها بجهة واحدة.
خاتمة وتوصيات
- المخالفة واضحة وصريحة لنصوص قانون المنافسة، ويجب على هيئة المنافسة العراقية التدخل وفتح تحقيق رسمي بشأن هذا القرار.
- على مجلس النواب التدخل تشريعيًا لمنع تركز السلطة الاقتصادية بيد الجهات التنفيذية.
- ضرورة إعادة النظر في هذا المشروع لضمان تعدد المنصات، وحماية حقوق المستهلك، ودعم الابتكار التقني.
- يجب أن تُبنى السيادة المالية والرقمية عبر الحوافز لا الاحتكار.
@إشارة


