هل يحكم القانون العراقي النظام المصرفي أم تحكمه قوائم واشنطن؟

غسل الأموال في العراق بين القانون العراقي وقوائم واشنطن
قراءة قانونية في مكافحة غسل الأموال بالعراق، بين سيادة القانون العراقي، وتوجيهات وزارة الخزانة الأمريكية، وقوائم OFAC...

هل يحكم القانون العراقي النظام المصرفي أم تحكمه قوائم واشنطن؟

بين القانون العراقي وتوجيهات وزارة الخزانة الأمريكية

هل فقد نظام مكافحة غسل الأموال في العراق استقلاله القانوني؟

تُعد منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب إحدى أهم الأدوات القانونية لحماية النظام المالي. فهي تحميه من استغلاله في إخفاء العائدات غير المشروعة أو تمويل الأنشطة الإرهابية.

وقد التزم العراق، شأنه شأن بقية الدول، بإنشاء إطار تشريعي ومؤسسي متكامل. وجاء ذلك بموجب قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (٣٩) لسنة ٢٠١٥.

كما التزم العراق بالانضمام إلى المنظومة الدولية التي تقودها مجموعة العمل المالي FATF.

إلا أن التطبيق العملي لهذه المنظومة يثير إشكالية قانونية وسيادية تستحق الدراسة.

وهذه الإشكالية هي: هل ما يُطبق في العراق هو القانون العراقي فعلاً؟ أم أن القرارات التنفيذية أصبحت تتشكل عملياً وفق القوائم والتعليمات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC؟

ويحدث ذلك حتى في غياب قرار أو حكم صادر عن جهة قضائية عراقية.

البنك المركزي والقضاء في الإطار الدستوري

من الناحية الدستورية، لا يثور خلاف على أن البنك المركزي العراقي هيئة مستقلة بموجب الدستور والقوانين النافذة.

كما لا يثور خلاف على أن السلطة القضائية هي صاحبة الاختصاص الأصيل في الفصل في الحقوق والالتزامات، وتقرير المسؤولية القانونية.

كما أن قانون مكافحة غسل الأموال رسم إجراءات واضحة. تبدأ هذه الإجراءات بجمع المعلومات المالية وتحليلها.

ثم تُحال إلى جهات التحقيق المختصة. وتنتهي بالقضاء الذي يقرر ثبوت الجريمة أو انتفاءها.

وبالتالي، فإن الأصل القانوني يقضي بأن أي تقييد دائم لحقوق الأشخاص أو المؤسسات يجب أن يستند إلى سند قانوني عراقي.

كما يجب أن يستند إلى إجراءات تكفل حق الدفاع والطعن.

التطبيق العملي وقوائم واشنطن

لكن التطبيق العملي يكشف عن صورة أكثر تعقيداً.

فخلال السنوات الأخيرة، تعرضت مصارف عراقية وشركات وتحويلات مالية إلى قيود شديدة.

كما حُرم بعضها من الوصول إلى الدولار أو إلى شبكة المراسلة المصرفية المرتبطة بالدولار.

وقد جرى ذلك استناداً إلى تقييمات أو قوائم أو إجراءات صادرة عن السلطات الأمريكية.

كما جرى أيضاً استناداً إلى إجراءات صادرة عن المصارف المراسلة التي تطبق قواعد الامتثال الأمريكية.

وفي حالات عديدة، لم يصدر بحق تلك الجهات حكم قضائي عراقي بات يثبت ارتكابها جريمة غسل أموال أو تمويل إرهاب.

ومع ذلك، ترتبت عليها آثار اقتصادية وقانونية جسيمة. فقدت بعض هذه الجهات القدرة على التعامل مع النظام المالي الدولي.

مستويان مختلفان في مكافحة غسل الأموال

هنا يجب التمييز بين مستويين مختلفين.

الأول هو التزام المصارف العراقية بمعايير الامتثال الدولية وإدارة المخاطر. وهذا التزام مشروع وضروري لحماية النظام المالي.

كما أنه ضروري للحفاظ على علاقات المراسلة المصرفية.

أما المستوى الثاني، فهو تحويل القوائم الأجنبية إلى قرارات نافذة داخل العراق دون المرور بالإجراءات التي يفرضها القانون العراقي.

وهذا أمر يثير إشكالات دستورية وقانونية. فهي تتعلق بمبدأ السيادة ومبدأ المشروعية.

إن توصيات مجموعة العمل المالي FATF نفسها لا تلزم الدول بالتخلي عن أنظمتها القانونية أو القضائية.

وإنما تطلب وجود إجراءات فعالة لتجميد الأموال أو فرض التدابير الاحترازية، وفق الأطر القانونية الوطنية.

ولذلك، فإن تنفيذ المعايير الدولية لا يعني بالضرورة منح القرارات الإدارية أو العقوبات الأجنبية أثراً مباشراً داخل النظام القانوني العراقي.

ولا يجوز أن يحدث ذلك من دون سند تشريعي أو رقابة قضائية.

مبدأ سيادة القانون والرقابة القضائية

من زاوية القانون الإداري، فإن أي قرار يقيد نشاط مصرف أو شركة داخل العراق ينبغي أن يكون قابلاً للتسبيب والطعن والمراجعة القضائية.

فمبدأ سيادة القانون يقتضي خضوع جميع السلطات للرقابة القضائية.

أما إذا أصبح القرار العملي يصدر استناداً إلى تقييم جهة أجنبية لا تخضع لرقابة القضاء العراقي، فإن ذلك يضعف الضمانات القانونية المكفولة للأشخاص.

كما يثير تساؤلات جدية بشأن استقلال القرار المالي الوطني.

الواقع المالي العالمي ونفوذ الدولار

في المقابل، لا يمكن تجاهل الواقع الاقتصادي العالمي.

فالدولار الأمريكي عملة الاحتياط الدولية الرئيسة. كما أن النظام المالي العالمي يعتمد بصورة واسعة على المصارف الأمريكية وشبكات التسوية المرتبطة بها.

لذلك، فإن المصارف العراقية، حتى لو أرادت تطبيق القانون العراقي وحده، تجد نفسها مضطرة عملياً إلى الامتثال لمتطلبات المصارف المراسلة الأجنبية.

ويحدث ذلك حفاظاً على استمرار تعاملاتها الدولية.

وهذه الحقيقة تعكس قوة النفوذ الاقتصادي والمالي للولايات المتحدة.

لكنها لا تعني، من الناحية القانونية، أن الاختصاص القضائي العراقي قد انتقل إليها.

هل تتحول مكافحة غسل الأموال إلى أداة سياسية؟

ويثور أيضاً سؤال بالغ الحساسية:

هل يمكن أن تتحول مكافحة غسل الأموال إلى أداة للتصفية السياسية أو الاقتصادية؟

من الناحية النظرية، فإن أي نظام قانوني قد يُساء استخدامه إذا غابت الشفافية والرقابة والضمانات القضائية.

وقد شهد العالم نقاشات قانونية حول استخدام العقوبات المالية والقيود الاقتصادية لتحقيق أهداف تتجاوز مكافحة الجريمة المنظمة أو الإرهاب.

إلا أن إثبات أن إجراءات محددة استُخدمت فعلاً لتحقيق أهداف سياسية أو لإقصاء منافسين اقتصاديين يتطلب أدلة قانونية ووقائع موثقة لكل حالة على حدة.

ولا يمكن افتراضه بصورة عامة دون بينات كافية.

الإشكالية في آلية التطبيق لا في المبدأ

لذلك، فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في مبدأ مكافحة غسل الأموال ذاته.

بل تكمن في آلية تطبيقه.

فإذا كانت القرارات التي تمس الحقوق الاقتصادية للمؤسسات العراقية تصدر دون شفافية، ودون بيان أسبابها، ودون منح حق الاعتراض والطعن، فإن ذلك يؤدي إلى تقويض الثقة بالنظام القانوني.

كما يخلق انطباعاً بأن المرجعية الفعلية أصبحت خارج الحدود الوطنية.

التوازن بين الالتزام الدولي والسيادة الوطنية

إن الحل لا يكون بالانسحاب من المنظومة الدولية أو تجاهل معايير الامتثال.

فذلك سيعرض العراق لعزلة مالية خطيرة.

وإنما يكون الحل بإعادة بناء التوازن بين الالتزام الدولي والسيادة الوطنية.

ويتطلب ذلك أن تكون جميع التدابير التي تمس الأشخاص أو المصارف أو الشركات داخل العراق مستندة إلى قرار يصدر وفق القانون العراقي.

كما يجب أن تضمن هذه التدابير حق الدفاع والتظلم والمراجعة القضائية.

ويجب أيضاً أن يمارس البنك المركزي العراقي سلطاته المستقلة بوصفه الجهة المختصة بتنظيم القطاع المالي وفق أحكام الدستور والقوانين النافذة.

ولا ينبغي أن يكون مجرد جهة منفذة لقرارات خارجية.

سيادة القانون وضمانة الدولة القانونية

إن قوة الدولة لا تقاس برفض التعاون الدولي.

وإنما تقاس بقدرتها على تنفيذ التزاماتها الدولية من خلال مؤسساتها الوطنية وقضائها المستقل.

فإذا أصبح الامتثال الخارجي بديلاً عن سيادة القانون الداخلي، فإن الخطر لا يقتصر على القطاع المصرفي.

بل يمتد إلى مفهوم الدولة القانونية ذاته.

فاستقلال القضاء والبنك المركزي ليس امتيازاً مؤسسياً.

وإنما هو ضمانة دستورية لحماية الحقوق والسيادة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الأمن المالي والالتزام بمبادئ العدالة وسيادة القانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *