أزمة الرواتب ليست أصل المشكلة
أصبح من اللافت في العراق أن كل أزمة مالية تُقابل بمجموعة من المقترحات المتشابهة:
تأخير صرف الرواتب أو تخفيضها، أو تجزئتها، أو تحويل جزء منها إلى ادخار إجباري،أو تقليص الحوافز والمخصصات. وكأن المشكلة تكمن في الموظف وراتبه،لا في السياسات المالية والاقتصادية التي أوصلت المالية العامة إلى هذه المرحلة من الهشاشة أمام تقلب أسعار النفط والإيرادات الحكومية.
ولا يمكن إنكار أن بند الرواتب والأجور والتقاعد أصبح كبيراً في هيكل المالية العامة العراقية؛
فبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي بلغت الأجور والمعاشات التقاعدية في عام 2024 نحو 22% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة بكل المقاييس.
كما أن موازنة عام 2024 قُدّرت بنحو 211 تريليون دينار، مع عجز مخطط يقارب 64 تريليون دينار، فيما قُدّرت الرواتب والتقاعد بما يقارب 90 تريليون دينار،
أي أكثر من 40% من إجمالي الإنفاق المخطط. لكن الاعتراف بضخامة هذا البند شيء،وتحويل الموظف الذي التزمت الدولة قانوناً بتعيينه ودفع أجره إلى المسؤول عن أزمة المالية العامة شيء آخر تماماً.
نقل كلفة الأزمة إلى الفئة الأضعف
والأسوأ أن هذه المقترحات غالباً ما تصدر عن خبراء ومستشارين يُفترض أنهم يقدمون حلولاً هيكلية،
فإذا بهم يكتفون بنقل كلفة الأزمة إلى الفئة الأقل قدرة على تحملها.
فالسياسة المالية لا تُقاس فقط بحجم الخفض الذي تستطيع الحكومة تحقيقه، وإنما أيضاً بتوزيع أعبائه وآثاره الاقتصادية والاجتماعية.
ومن السهل محاسبياً حذف نسبة من راتب ملايين الموظفين،لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث للاستهلاك والأسواق والديون الأسرية والنشاط التجاري عندما تُسحب هذه السيولة دفعة واحدة من الاقتصاد؟
إن هذا النهج لا يعكس إصلاحاً مالياً بل يعكس إفلاساً في التفكير الاقتصادي.
فالإدارة المالية الرشيدة لا تبدأ بالبحث عن أسهل مصدر لتخفيض الإنفاق،وإنما تبدأ بمراجعة أسباب الاختلال المالي، وكفاءة إدارة الموارد، وفعالية الإنفاق العام،وطبيعة الالتزامات التي راكمتها الدولة، ومدى نجاح السياسات الاقتصادية في خلق مصادر دخل مستدامة تقلل الاعتماد على النفط.
جوهر المشكلة في هيكل الإيرادات والإنفاق
والأرقام هنا شديدة الدلالة. ففي عام 2024 قدّر صندوق النقد الدولي إجمالي الإيرادات والمنح الحكومية بنحو 39.3% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت الإيرادات النفطية وحدها نحو 36% من الناتج؛ أي إن الإيرادات النفطية ظلت تمثل أكثر من تسعة أعشار الموارد الحكومية تقريباً.
ولهذا السبب ارتفع سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة – وفق تقديرات الصندوق – من نحو 54 دولاراً للبرميل في 2020 إلى نحو 84 دولاراً في 2024.
وهذا يعني أن جوهر المشكلة لا يتمثل في أن الموظف يتقاضى راتباً،وإنما في أن هيكل الإنفاق توسع في ظل قاعدة إيرادات غير نفطية ما تزال محدودة، فأصبحت المالية العامة أكثر حساسية لأي انخفاض في الإيرادات النفطية.
أما عندما يكون الحل الأول دائماً هو راتب الموظف فهذا يعني أن الدولة أخفقت في معالجة الخلل من منبعه وقررت الاكتفاء بإعادة توزيع آثاره على المجتمع.
فالإصلاح المالي الحقيقي يجب أن يميّز بين إصلاح هيكل الوظيفة العامة على المدى المتوسط والطويل وبين عدم الوفاء بالالتزامات القائمة تجاه الموظفين على المدى القصير.
الأول يمكن مناقشته عبر ضبط التعيينات الجديدة، ومراجعة الهياكل الإدارية،ومنع ازدواج الرواتب، وتحديث قواعد البيانات، وربط التوظيف بالحاجة الفعلية والإنتاجية؛ أما الثاني فهو نقل مباشر لأزمة الخزينة إلى دخل الأسرة.
الراتب محرك اقتصادي لا رقم محاسبي فقط
من الناحية الاقتصادية فإن الراتب ليس رقماً محاسبياً في جداول الموازنة،
بل هو أحد المحركات الرئيسة للطلب الكلي في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك المحلي والنشاط التجاري والخدمي.
ففي العراق يشكل القطاع العام ثقلاً استثنائياً في سوق العمل؛ وقد أظهرت بيانات مسح القوى العاملة لعام 2021 التي استند إليها صندوق النقد الدولي أن حصة القطاع العام قاربت 37% من إجمالي العمالة، وهي من أعلى النسب في المنطقة، في ظل معدل بطالة بلغ آنذاك نحو 16.6% ومشاركة في قوة العمل دون 40%.
وهذا الحجم يعني أن انتظام تدفقات الرواتب لا يخص الموظفين وحدهم، بل يؤثر في دورة إنفاق واسعة تمتد إلى ملايين الأسر والمنشآت.
فالغالبية الواسعة من الأسر الموظفة لا تتعامل مع الراتب بوصفه ثروة مالية مجمدة،
وإنما باعتباره دخلاً دورياً لتمويل الغذاء والسكن والتعليم والعلاج والنقل والكهرباء وسداد القروض والإيجارات والأقساط والالتزامات الاجتماعية.
ولذلك فإن أي تخفيض أو تأخير واسع للرواتب لا يقتصر أثره على الموظف،
وإنما يمتد إلى التاجر والصانع والمزارع وشركات النقل والمطاعم والمصارف وأصحاب العقارات والحرفيين والمشروعات الصغيرة، وكل الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإنفاق الاستهلاكي.
الضغط على الرواتب في اقتصاد ضعيف النمو
وهذا الأمر يصبح أكثر أهمية عندما يكون القطاع غير النفطي نفسه ضعيف النمو.
فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن نمو الاقتصاد غير النفطي في العراق تباطأ من نحو 13.8% في 2023 إلى 2.5% فقط في 2024.
كما أظهرت تقديرات البنك الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنحو 2.4% على أساس سنوي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025،
بينما تباطأ نمو الناتج غير النفطي إلى نحو 1.5% في ظل نقص الكهرباء والمياه وظهور أزمة سيولة مرتبطة بانخفاض الإيرادات النفطية.
في مثل هذه البيئة يصبح الضغط الإضافي على دخول الأسر عاملاً انكماشياً وليس مجرد إجراء محاسبي.
وهنا تكمن المفارقة التي يغفل عنها بعض من يطرح هذه المقترحات.
فالدولة قد تؤجل دفع تريليون دينار من الرواتب لتحسين مركزها النقدي مؤقتاً،لكنها في المقابل تسحب تريليون دينار من دورة الإنفاق في السوق.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الناتج سينخفض بالمبلغ نفسه، لأن الأثر يتوقف على الميل للاستهلاك والاستيراد والادخار،
لكنه يعني بالتأكيد انخفاضاً في السيولة المتاحة للأسر والمنشآت في الأجل القصير، وانخفاضاً في المبيعات لدى قطاعات تعتمد مباشرة على الطلب المحلي.
ومع انخفاض المبيعات تتراجع أرباح الشركات والمحال، وقد تتراجع معها القدرة على دفع الأجور وسداد القروض والضرائب والرسوم، فتنتقل مشكلة السيولة من الخزينة العامة إلى الاقتصاد الحقيقي.
وهذا ليس افتراضاً نظرياً بعيداً عن التجربة العراقية؛ فالبنك الدولي أشار إلى أن الضغوط المالية خلال 2025 أدت بالفعل إلى تأخر بعض المدفوعات وتراكم المتأخرات، في وقت انخفضت فيه الإيرادات النفطية بنحو 11.8% مقارنة بالعام السابق وبلغ العجز المالي النقدي قرابة 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
أي أن ما توفره الخزينة من سيولة عبر تأخير الرواتب لا يمثل بالضرورة وفراً اقتصادياً صافياً؛لأنه قد يعود في صورة ضعف نشاط اقتصادي، وتعثر في الالتزامات، وتراجع في التحصيل، وزيادة الحاجة لاحقاً إلى إجراءات تحفيزية أو اجتماعية لمعالجة آثار الانكماش.
الادخار الإجباري وقرض الأسر القسري
أما فكرة الادخار الإجباري فهي من أكثر المقترحات إثارة للاستغراب.
فالادخار في الاقتصاد السليم يقوم على وجود فائض في الدخل، وعلى الثقة بالمؤسسات المالية،وعلى قناعة صاحب الدخل بأن التضحية بجزء من استهلاكه الحالي ستمنحه عائداً أو قدرة استهلاكية أكبر مستقبلاً.
أما أخذ نسبة من الراتب بقرار إداري وتسميتها ادخاراً فلا يغير من حقيقتها الاقتصادية شيئاً إذا كان الموظف يحتاج تلك النسبة لتمويل نفقاته الأساسية.
وفي بيئة اقتصادية يعاني فيها كثير من الموظفين من التزامات أسرية وقروض وإيجارات ونفقات تعليم وصحة،فإن الادخار الإجباري يتحول عملياً إلى تجميد لجزء من الدخل المتاح. وإذا لم يكن مصحوباً بضمان قانوني واضح، وعائد مالي مناسب، وآلية استرداد محددة، وحماية من التضخم، فإنه يصبح أقرب إلى قرض قسري تقدمه الأسر إلى الحكومة. ومن الناحية القانونية والاقتصادية يختلف ذلك جذرياً عن الادخار الطوعي أو شراء السندات الحكومية بصورة اختيارية.
لماذا لا يبدأ التقشف من الامتيازات والهدر؟
والسؤال الذي يفرض نفسه هو:
لماذا لا تبدأ إجراءات التقشف من الامتيازات الاستثنائية؟ لماذا لا تُراجع مخصصات الدرجات الخاصة والمنافع والنفقات غير الضرورية والعقود ذات الكلفة المرتفعة، والهياكل والهيئات المتضخمة، ونفقات التشغيل القابلة للترشيد، قبل الانتقال إلى أصل الراتب الذي تعتمد عليه الأسرة؟
ولماذا لا تبدأ الدولة أيضاً من ملفات الهدر القابلة للقياس؟ فعلى سبيل المثال،قدّر صندوق النقد الدولي أن خسائر توزيع الكهرباء في العراق بلغت نحو 55% في عام 2024 نتيجة مجموعة من العوامل،
بينها التجاوزات والربط غير القانوني وضعف الجباية والكفاءة التشغيلية.
إن معالجة جزء ملموس من هذا الهدر ليست مجرد إصلاح فني لقطاع الكهرباء، وإنما إصلاح مالي أيضاً، لأنها تخفض الكلفة التي تتحملها الخزينة وترفع قدرة القطاع على استرداد نفقاته.
ولماذا يبقى الموظف البسيط الحلقة الأولى التي تُطلب منها التضحية بينما تبقى بؤر الهدر المالي والإداري بعيدة عن أي إصلاح جاد؟ إن العدالة لا تقتضي حماية كل إنفاق حكومي تحت عنوان الرواتب، بل تقتضي أولاً التمييز بين راتب مستحق مقابل عمل وبين وظائف وهمية أو ازدواج أو مخصصات غير مبررة أو تعيينات لا تستند إلى حاجة فعلية. الإصلاح الصحيح يستهدف التشوه لا صاحب الحق.
الأزمة أعمق من بند الرواتب
إن الأزمة الحالية ليست وليدة ارتفاع الرواتب وحده، بل هي نتيجة تراكم سنوات من الاعتماد المفرط على النفط،
وضعف التخطيط المالي متوسط الأجل، وتأخر الإصلاح الاقتصادي، واستمرار الهدر، وتواضع كفاءة تحصيل الإيرادات غير النفطية، فضلاً عن ضعف المساءلة عن نتائج السياسات العامة.
ويكفي للدلالة على هشاشة النموذج المالي أن أكثر من 90% من إيرادات الحكومة ما زال مرتبطاً بالنفط وفق تقديرات صندوق النقد الدولي،
وأن انخفاض أسعار النفط أو الصادرات يتحول بسرعة إلى مشكلة سيولة وتمويل. ولذلك فإن أزمة الخزينة قد تظهر حتى عندما يمتلك العراق ثروة نفطية كبيرة،
لأن المشكلة ليست مقدار الثروة في باطن الأرض، وإنما العلاقة بين التدفقات النقدية الفعلية وبين الالتزامات الشهرية الثابتة للحكومة.
وإذا كانت الدولة قد استعانت خلال السنوات الماضية بعشرات الخبراء والمستشارين، فإن من حق الرأي العام أن يتساءل:أين نتائج تلك الدراسات؟ وما القيمة المضافة التي قدمتها؟ وإذا كانت المقترحات تنتهي دائماً إلى المساس برواتب الموظفين، فما الحاجة إلى كل هذا العدد من الخبرات والاستشارات؟
مساحات الإصلاح أوسع من تأخير الراتب
فالمشكلة العراقية معروفة منذ سنوات: قاعدة ضريبية غير نفطية محدودة، إدارة جمركية وضريبية تحتاج إلى تحديث ورقمنة،
اقتصاد غير رسمي واسع، ضعف في الوساطة المصرفية، اختلالات في الشركات العامة، هدر في قطاع الطاقة، وإنفاق جارٍ يصعب تعديله عندما تنخفض الإيرادات النفطية.
وحتى في ملف الضرائب والجمارك، قدّر مستشار اقتصادي لرئيس الوزراء في تصريحات منشورة أن الخسائر الناتجة عن التهرب والمشكلات الجمركية قد تصل إلى نحو 10 مليارات دولار سنوياً؛ وهي تقديرات تشير، حتى مع الحاجة إلى تدقيقها مؤسسياً، إلى أن مجال الإصلاح في جانب الإيرادات والحوكمة أوسع بكثير من مجرد التفكير في تأخير راتب الموظف.
الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة هيكلة الإنفاق العام، وربط الصرف بالأولويات الوطنية،وتعظيم الإيرادات غير النفطية، ومكافحة التهرب الضريبي والجمركي، واسترداد الأموال العامة،وتحسين الجباية، واستكمال الأتمتة والرقمنة، وتحسين إدارة أملاك الدولة، وإصلاح الشركات العامة الخاسرة،وتحفيز الاستثمار والإنتاج وتنشيط القطاع الخاص، لا بإضعاف القوة الشرائية للمواطنين.
وهذا لا يعني تجاهل مشكلة تضخم الجهاز الحكومي. بل على العكس، الإصلاح المسؤول يقتضي معالجة هذه المشكلة من خلال سياسة تدريجية: وقف التوسع غير الضروري في التوظيف، اعتماد قاعدة إحلال مدروسة عند التقاعد، إنشاء قاعدة بيانات مركزية وبيومترية للعاملين، منع ازدواج الرواتب،مراجعة المخصصات الاستثنائية، تحسين تقييم الأداء، ونقل جزء من خلق فرص العمل مستقبلاً إلى القطاع الخاص.
وقد سبق لصندوق النقد الدولي أن أشار إلى أن الحكومة العراقية توظف نسبة مرتفعة جداً من قوة العمل،وأن متوسط الأجور في القطاع الحكومي يتمتع بعلاوة كبيرة مقارنة بالقطاع الخاص؛وهو ما يؤكد الحاجة إلى إصلاح سوق العمل، لكن إصلاح النظام شيء وتأخير المستحقات القانونية للعاملين شيء آخر.
الموظف جزء من دورة النشاط الاقتصادي
فالموظف الذي يتقاضى راتبه في موعده ليس مجرد بند إنفاق،بل هو أيضاً مستهلك ومقترض ومودع وزبون للمحال والشركات وممول غير مباشر لدورة النشاط الاقتصادي.
وانتظام دخله يساهم في انتظام التدفقات النقدية لدى آلاف المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
إن معالجة الأزمة المالية عبر المساس برواتب الموظفين تشبه معالجة ضعف القلب بإيقاف ضخ الدم إلى بقية أعضاء الجسم.
قد يبدو الضغط قد انخفض مؤقتاً، لكن النتيجة النهائية قد تكون إضعاف النشاط الاقتصادي الذي تعتمد عليه الدولة نفسها في زيادة الإيرادات غير النفطية.
والدولة التي تعجز عن إصلاح الإدارة ثم تطلب من الموظف أن يدفع ثمن هذا العجز لا تكون قد أصلحت ماليتها،بل تكون قد نقلت الأزمة من دفاتر الحسابات إلى موائد المواطنين وأسواقهم.
فالعجز النقدي الذي يظهر في وزارة المالية يمكن إخفاؤه مؤقتاً بتأخير الاستحقاقات،
لكنه سيظهر في مكان آخر على شكل ديون أسرية متأخرة، ومبيعات أقل، وشركات متعثرة، وقروض غير مسددة، وضعف في الطلب والاستثمار.
العدالة المالية والمسؤولية الاقتصادية
إن العدالة المالية تقتضي أن يتحمل مسؤولية الإخفاق من صنعه، لا من يتقاضى راتباً لقاء عمله.
كما أن المسؤولية الاقتصادية تقتضي ألا تتحول الدعوة المشروعة إلى ضبط فاتورة الأجور إلى ذريعة لتحميل الموظفين الحاليين نتائج قرارات توظيف وإنفاق واتساع مالي اتخذتها الدولة نفسها عبر سنوات طويلة.
فالإصلاح يبدأ من الهدر والفساد وسوء الإدارة، وضعف التخطيط، وخلل هيكل الإيرادات،وضعف الإدارة الضريبية والجمركية، واختلال المؤسسات العامة، ومنع الإنفاق غير المنتج،ثم ينتقل إلى إصلاح هيكل الوظيفة العامة وفق قواعد قانونية واقتصادية عادلة.
أما البدء من جيب الموظف فهو أسهل الحلول محاسبياً، لكنه ليس بالضرورة أفضلها اقتصادياً ولا أكثرها عدالة.
وإذا كان العراق يريد الخروج فعلاً من دائرة الأزمات المالية المتكررة،فالمطلوب ليس البحث في كل مرة عن الطريقة التي يمكن بها تأجيل جزء من الراتب،
وإنما بناء مالية عامة تستطيع دفع التزاماتها حتى عندما ينخفض النفط: إيرادات غير نفطية أكبر، اقتصاد خاص أكثر قدرة على خلق الوظائف، إدارة حكومية أقل هدراً، إنفاق استثماري أعلى كفاءة،
ونظام مالي قادر على التخطيط للدورات النفطية بدلاً من الانتقال من الوفرة إلى أزمة السيولة مع كل هبوط في الإيرادات.
الموظف لم يكن يوماً وحده سبب الأزمة، ولن يكون المساس بحقوقه طريقاً مستداماً للخروج منها؛لأن الدولة لا تعالج اختلالها المالي بإضعاف الحلقة التي تحرك جانباً مهماً من الطلب المحلي،
وإنما بإصلاح الأسباب التي جعلت اقتصاداً بحجم العراق وثرواته يبقى شديد الحساسية لسعر برميل النفط وتوقيت وصول إيراداته.


