هل خرجت القوات الأمريكية؛ أم دخلت العقود؟ قراءة قانونية في مستقبل السيادة الاقتصادية العراقية

هل خرجت القوات الأمريكية
تقاس السيادة الاقتصادية بقدرة العراق على التشريع والرقابة وإدارة موارده وبياناته، لا بخروج القوات فقط. فالعقود غير المتوازنة والتحكيم الأجنبي والعقوبات واحتكار التكنولوجيا قد تستبدل النفوذ العسكري بهيمنة قانونية ومالية مستدامة...

السيادة ليست خروج الجندي بل بقاء القرار: هل استبدل العراق الاحتلال العسكري بالهيمنة التعاقدية؟

لم يعد مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين يقاس بعدد القواعد العسكرية الأجنبية أو بحجم القوات المنتشرة داخل حدود الدولة بل أصبح يقاس بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها الاقتصادي بحرية وإدارة مواردها الوطنية دون أن تكون مقيدة بإرادة خارجية تفرضها عقود الاستثمار أو النظام المالي العالمي أو التكنولوجيا المحتكرة أو شبكات التمويل الدولية.

فالدولة التي ترفع علمها على أراضيها لكنها لا تستطيع التصرف بثرواتها أو تعديل قوانينها أو إدارة نظامها المالي دون موافقة فعلية أو ضمنية من أطراف خارجية لا تمارس سيادة كاملة حتى وإن غابت عنها مظاهر الاحتلال التقليدي.

ومن هذا المنطلق، يفرض الواقع العراقي سؤالاً قانونياً واستراتيجياً بالغ الأهمية:

هل يعني خروج القوات الأمريكية انتهاء النفوذ الأمريكي أم أن هذا النفوذ انتقل من الميدان العسكري إلى الميدان الاقتصادي بحيث أصبحت الشركات والعقود والمؤسسات المالية تمارس الدور الذي كانت تمارسه القوة العسكرية بصورة أقل ظهوراً وأكثر استدامة وأقل كلفة؟

هذا السؤال لا ينطلق من موقف سياسي مؤيد أو معارض للعلاقة مع الولايات المتحدة أو مع أي دولة أخرى وإنما يستند إلى تطور مفهوم السيادة ذاته في القانون الدولي. فالأمم المتحدة عندما أقرت مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية لم تربط هذا الحق بوجود قوات أجنبية أو غيابها وإنما ربطته بحق الدولة في إدارة مواردها واختيار سياساتها الاقتصادية بحرية كاملة.

كما أن ميثاق الحقوق والواجبات الاقتصادية للدول أكد أن لكل دولة الحرية في تنظيم اقتصادها واستغلال ثرواتها بما يحقق مصالحها الوطنية، دون تدخل أو إكراه اقتصادي.

ولذلك فإن تقييم مرحلة ما بعد الانسحاب العسكري لا ينبغي أن ينصرف إلى السؤال التقليدي: هل خرج الجنود؟ بل إلى السؤال الأكثر أهمية:

من يملك القرار الاقتصادي اليوم؟ ومن يستطيع التأثير في رسم السياسات المالية والنقدية والتجارية للدولة؟

إن الاقتصاد العالمي المعاصر لم يعد يعتمد على الاحتلال العسكري بوصفه الوسيلة الوحيدة لبسط النفوذ بل أصبحت العقود الاستثمارية واتفاقيات التكنولوجيا وشبكات المدفوعات وحقوق الملكية الفكرية والبنى التحتية الرقمية والتحكيم التجاري الدولي أدوات أكثر فاعلية في التأثير على سياسات الدول.

ولهذا ظهر في الفقه الاقتصادي والقانوني مصطلح “الهيمنة التعاقدية” الذي يشير إلى انتقال مركز القوة من الجندي إلى العقد ومن الدبابة إلى النظام المالي، ومن السيطرة على الأرض إلى السيطرة على القرار.

وفي الحالة العراقية يزداد هذا التساؤل أهمية مع الحديث عن دخول شركات أمريكية إلى قطاعات النفط والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والخدمات المصرفية والتحول الرقمي فهذه القطاعات لا تمثل مجرد مشاريع استثمارية بل تمس المفاصل الأساسية للاقتصاد الوطني، الأمر الذي يجعل طبيعة العقود المنظمة لها أهم من جنسية المستثمر نفسه.

فالمشكلة القانونية لا تكمن في كون الشركة أمريكية أو أوروبية أو آسيوية وإنما في الشروط التي تنظم العلاقة بينها وبين الدولة العراقية.

فقد يكون المستثمر أجنبياً لكن العقد يحفظ للدولة كامل سلطاتها وقد يكون المستثمر وطنياً بينما يؤدي العقد إلى إهدار المال العام والسيادة.

ولهذا فإن معيار السيادة لا يقاس بجنسية المتعاقد وإنما بمدى احتفاظ الدولة بسلطاتها الدستورية والقانونية أثناء تنفيذ العقد.

إن أول ما يكشف حقيقة العلاقة هو القانون الذي يحكم العقد.

فإذا كانت العقود الاستراتيجية المتعلقة بالنفط أو التكنولوجيا أو المصارف تستبعد القانون العراقي بصورة كاملة وتخضع لقانون أجنبي فإن ذلك يضعف قدرة الدولة على تطبيق قواعدها الوطنية على مواردها الاستراتيجية. ويزداد الأمر خطورة عندما تكون جميع المنازعات محالة إلى هيئات تحكيم أجنبية بما يجعل القضاء الوطني خارج دائرة الرقابة على أهم العقود الاقتصادية التي ترتبط بالمال العام والسيادة.

ولا يقف الأمر عند حدود القانون الواجب التطبيق بل يمتد إلى ما يعرف بشروط تثبيت التشريع، وهي الشروط التي تمنع الدولة من تعديل قوانينها إذا ترتب على ذلك تأثير في مصالح المستثمر.

وهذه الشروط، وإن بدت وسيلة لطمأنة الاستثمار فإنها قد تتحول عملياً إلى قيد على السلطة التشريعية بحيث يصبح البرلمان عاجزاً عن تعديل قوانين الضرائب أو البيئة أو العمل أو الاستثمار دون تحمل تعويضات مالية ضخمة وهو ما يعني أن الإرادة التشريعية للدولة تصبح مقيدة بإرادة العقد.

وتزداد المسألة تعقيداً في ظل النظام المالي العالمي القائم على هيمنة الدولار والعقوبات الاقتصادية العابرة للحدود. فإذا كانت العقود العراقية تشترط أن تكون جميع المدفوعات بالدولار الأمريكي وأن تتم عبر مصارف مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي وأن تخضع بصورة مباشرة أو غير مباشرة لأنظمة الامتثال والعقوبات الأجنبية فإن تنفيذ تلك العقود سيظل مرتبطاً بإرادة منظومة مالية لا تخضع للسلطات العراقية. وعندئذ يصبح القرار الاقتصادي معرضاً للتعطيل بفعل قرارات تصدر خارج الحدود الوطنية حتى لو لم يكن هناك أي وجود عسكري أجنبي داخل البلاد.

ولعل أخطر ما يميز الاقتصاد الحديث هو انتقال مركز الثقل من السيطرة على الموارد الطبيعية إلى السيطرة على البيانات.

فالدولة التي لا تمتلك بياناتها المالية، أو أنظمتها الرقمية أو مفاتيح تشغيل منصاتها الإلكترونية تكون قد فقدت جزءاً من سيادتها الرقمية وهي اليوم أحد أهم أبعاد السيادة الاقتصادية.

ولذلك فإن العقود الخاصة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عقود خدمات تقنية فحسب، بل بوصفها عقوداً تمس الأمن الوطني والاقتصادي في آن واحد.

ومن هنا فإن نجاح أي شراكة مع الشركات الأجنبية لا يقاس بحجم الأموال المستثمرة أو عدد المشاريع المنفذة وإنما بمدى احتفاظ العراق بحقوقه السيادية أثناء تنفيذ تلك المشاريع.

فالعقد الذي يعترف بحق الدولة في تعديل قوانينها للمصلحة العامة ويضمن خضوع الموارد الوطنية لرقابة السلطات العراقية ويلزم المستثمر بنقل التكنولوجيا وتدريب الكفاءات الوطنية، ويحافظ على ملكية الدولة للبيانات والبنى التحتية الاستراتيجية ويقر بحق العراق في إنهاء العقد عند الإخلال الجسيم، هو عقد يعزز التنمية دون أن ينتقص من السيادة.

أما العقد الذي يقيد السلطة التشريعية ويجعل تنفيذ الالتزامات مرهوناً بأنظمة عقوبات أجنبية ويحتكر التكنولوجيا وينقل البيانات إلى خارج الدولة ويستبعد القضاء الوطني بصورة كاملة ويمنح المستثمر امتيازات تعلو على القانون الوطني فإنه لا يمثل مجرد اتفاق اقتصادي بل يعيد تشكيل موازين القوة بين الدولة والمستثمر ويجعل النفوذ الاقتصادي بديلاً عملياً عن النفوذ العسكري.

إن التاريخ يعلمنا أن النفوذ لا يختفي وإنما يتغير شكله.

ففي الماضي كانت الجيوش هي وسيلة فرض الإرادة أما اليوم فقد أصبحت العقود والتمويل والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والبيانات هي الأدوات الجديدة للتأثير.

ولهذا فإن الحديث عن انتهاء الاحتلال لا ينبغي أن يقتصر على خروج القوات بل يجب أن يمتد إلى فحص البنية القانونية للعقود التي ستحدد مستقبل الاقتصاد العراقي لعقود مقبلة.

وفي النهاية فإن السيادة الاقتصادية ليست شعاراً سياسياً بل منظومة قانونية متكاملة تتجسد في نصوص العقود قبل أن تظهر في الخطابات الرسمية.

فإذا احتفظ العراق بحقه في التشريع والتنظيم والرقابة والقضاء وإدارة موارده وبياناته، فإن الشراكة مع الشركات الأجنبية ستكون وسيلة للتنمية ونقل المعرفة.

أما إذا انتقلت هذه السلطات تدريجياً إلى أطراف خارجية من خلال شروط تعاقدية غير متوازنة، فإن خروج الجندي لن يكون سوى انتقال من احتلال ظاهر إلى نفوذ قانوني واقتصادي أكثر هدوءاً، لكنه قد يكون أشد أثراً وأطول بقاءً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *