في دولٍ بنت هويّتها على المعرفة صارت الجامعة محرّكًا للنمو الاقتصادي، ورافعةً للتنمية البشرية وجسرًا بين العلم والعمل. أما في العراق فباتت الجامعة – ويا للأسف – واحدة من أهم مصادر البطالة المقنّعة ومصنعًا لإنتاج جيوش من العاطلين، في ظل اقتصاد ريعي لا يحتاج إلى عقلٍ منتج بل إلى مواطن ينتظر راتبًا حكوميًا على قارعة الأمل.
الجامعة العراقية اليوم لا تخرّج مهندسًا يبحث عن مشروع ولا طبيبًا يفتح عيادة ولا فيلسوفًا ينقد الواقع بل تخرّج “طالب تعيين”، يبحث عن موطئ قدم في دولة ريعية متهالكة، ترعى التوظيف لا الإنتاج وتحمي الاتكالية لا الابتكار.
في جوهر هذه الأزمة تقبع مفارقة عميقة: الدولة تموّل الجامعة من عوائد النفط والجامعة تخرّج شبابًا يريدون وظيفة حكومية والحكومة لا تملك إلا أن توظّف أو تهمل والنتيجة؟ بطالة أكاديمية مرعبة ونزيف مستمر في قيمة التعليم الجامعي.
الدولة الريعية كما وصفها المفكرون لا تُبنى على العمل بل على الريع وهي بطبيعتها تعادي الإنتاج وتهمّش الكفاءة. لا تحتاج إلى باحث بل إلى موظف لا تستثمر في العقول بل توزّع العوائد على الأتباع. وهكذا تتحوّل الجامعة – في ظل هذا النظام – من مؤسسة معرفية إلى محطة انتظار… طويلة ومحبطة.
في هذا السياق يصبح السؤال الملحّ: هل نحن بحاجة إلى إصلاح التعليم الجامعي؟ أم إلى تغيير طبيعة الاقتصاد؟
الجواب – في الحقيقة – كلاهما معًا.
فلا جامعة منتجة دون اقتصاد منتج ولا إصلاح جامعي ممكن في ظل سوق عمل مغلق ومؤسسات مشلولة ووزارات لا توظّف إلا تحت ضغط الشارع أو المحاصصة.
إن ربط الجامعة بسوق العمل لن يتم بخطب شعاراتية بل بتحوّل حقيقي في فلسفة الدولة ذاتها. نحن بحاجة إلى أن تنتقل الدولة من راعية للبطالة إلى حاضنة للإبداع من دولة ريعية إلى دولة إنتاجية. من منطق “الموازنة التشغيلية” إلى منطق “اقتصاد القيمة المضافة”.
وعندها فقط يمكن للجامعة أن تستعيد دورها الحقيقي: أن تكون بيت العقل ومصنع المهارات، وحاضنة الأفكار لا الأرواح المحبطة.
في عصر الثورة الصناعية الرابعة حيث الذكاء الاصطناعي يحلّ محل الإنسان في أبسط الوظائف ما زالت جامعاتنا تُدرّس بأساليب القرن الماضي وتُخرّج كوادر لسوق لم يعد موجودًا. نُعلّم الطلاب كيف يكتبون تقارير في زمن تحلّه خوارزميات. ونختبرهم في الحفظ في زمن الإبداع هو القيمة.
إن الخروج من هذا النفق يتطلب ثورة عقلية تبدأ بإعادة تعريف معنى “الجامعة” في السياق العراقي لا بوصفها مرحلة بين المدرسة والوظيفة بل باعتبارها مشروعًا لبناء إنسان عصري، منتج، حر، مستقل، قادر على التفاعل مع واقع متغيّر وليس تابعًا لنظام جامد.
الجامعة ليست بناية من الإسمنت بل بنية من الفكر وإذا لم نتحرّر من قبضة الاقتصاد الريعي سنظل نُنتج بطالة من أبواب الجامعات… ونُهدر عقولًا كان يمكن أن تصنع عراقًا آخر.


