التعليم العراقي يبيع الوهم للفقراء مطرقة الجامعات الاهلية والتدريس الخصوصي

التعليم العراقي يبيع الوهم للفقراء
قراءة نقدية في أزمة التعليم العراقي، من الجامعات الأهلية والتدريس الخصوصي إلى استغلال الطلبة انتخابياً وتجارة الشهادات الجوفاء وضياع العدالة التعليمية...

التعليم العراقي حين يتحول إلى تجارة رابحة

التعليم العراقي، ذلك الحق الذي تكفله الدولة لأبنائها بوصفه أساساً لبناء الإنسان وصناعة المستقبل، أخذ يتحول تدريجياً إلى سلعة تخضع لقوانين العرض والطلب.

فبدلاً من أن يبقى التعليم رسالة وطنية وإنسانية، صار في جوانب واسعة منه سوقاً مفتوحة تدر الأرباح على المستثمرين، فيما تدفع الأسر العراقية الثمن من قوتها اليومي.

وبين الجامعات الأهلية ذات الأقساط المرتفعة، والتدريس الخصوصي الذي أصبح أشبه بضريبة مفروضة على الطلبة،

يقف المواطن العراقي عاجزاً أمام منظومة تعليمية فقدت كثيراً من أهدافها التربوية، وتحولت في مساحات واسعة منها إلى مشروع تجاري أكثر من كونها مشروعاً علمياً أو وطنياً.

الجامعات الأهلية وسؤال الاستثمار في التعليم

إن التوسع الكبير في أعداد الجامعات الأهلية خلال السنوات الأخيرة يثير تساؤلات مشروعة حول الغاية الحقيقية من هذا الانتشار.

فهل الهدف هو الارتقاء بالمستوى العلمي وتوفير فرص تعليمية نوعية للشباب، أم أن التعليم أصبح واحداً من أكثر الاستثمارات ربحاً في العراق؟

ليس من المنطقي أن تصل أقساط بعض الكليات إلى عشرة أو أحد عشر مليون دينار سنوياً،

في بلد يعاني فيه آلاف الخريجين البطالة، وتعجز فيه شرائح واسعة من الموظفين والعمال والكسبة عن تأمين احتياجاتهم الأساسية.

فكيف يمكن لعائلة تضم أكثر من طالب جامعي أن تتحمل مثل هذه التكاليف؟ وكيف أصبح الحصول على شهادة جامعية مرهوناً بحجم الدخل، لا بحجم الطموح والكفاءة؟

إن هذه الأقساط الباهظة لم تؤد بالضرورة إلى حل مشكلات التعليم، ولم تضمن فرص العمل للخريجين.

فكل عام تتخرج آلاف الكفاءات لتجد نفسها في طوابير البطالة والانتظار، بينما تستمر الجامعات في استقطاب المزيد من الطلبة وجني المزيد من الأرباح.

وهنا يبرز السؤال المؤلم: من المستفيد الحقيقي من هذه المنظومة؟</p>

هل هو الطالب الذي يخرج مثقلاً بالديون والقلق على مستقبله، أم المستثمر الذي ينظر إلى التعليم بوصفه مشروعاً مالياً مضمون ا

لعائد؟

التعليم العراقي بين التدريس الخصوصي وفقدان العدالة

في الوقت نفسه، برزت ظاهرة التدريس الخصوصي كوجه آخر للأزمة.

فما كان في الماضي استثناءً أصبح اليوم قاعدة شبه عامة.

فالطالب الذي يكتفي بالدرس المدرسي أو الجامعي بات يشعر بأنه متأخر عن أقرانه، لأن النجاح نفسه أصبح مرتبطاً بالدروس الخاصة، والمعاهد، والدورات المدفوعة.

وهكذا تحولت المعرفة إلى سلعة إضافية تُباع خارج أسوار المدرسة والجامعة.

والأسوأ من ذلك أن بعض المؤسسات التعليمية أصبحت تعتمد بصورة غير مباشرة على هذه الظاهرة.

فتراجع مستوى الشرح داخل القاعات الدراسية فتح الباب واسعاً أمام ازدهار سوق الدروس الخصوصية.

إن ما يحدث اليوم لا يمثل أزمة تعليمية فحسب، بل يمثل أزمة عدالة اجتماعية أيضاً.

فعندما يصبح المال هو المعيار الحقيقي للحصول على فرص تعليم أفضل،

يدفع أبناء الطبقات الفقيرة الثمن مرتين: مرة بسبب ضعف إمكاناتهم الاقتصادية، ومرة بسبب حرمانهم من الفرص التي يحصل عليها أبناء الأسر الميسورة.

وبدلاً من أن يكون التعليم وسيلة لتقليص الفوارق الاجتماعية، أصبح في كثير من الأحيان عاملاً يعمق تلك الفوارق ويعيد إنتاجها.

من حق دستوري إلى امتياز طبقي

لقد كان العراقيون ينظرون إلى التعليم بوصفه السلم الذي يرتقي به أبناء الفقراء نحو حياة أفضل.

أما اليوم، فإن هذا السلم نفسه أصبح محاطاً بالرسوم والأقساط والنفقات التي تجعل الوصول إليه أكثر صعوبة.

فالأب الذي يكافح لتأمين لقمة العيش يجد نفسه مطالباً بدفع ملايين الدنانير من أجل تعليم أبنائه.

والأم التي تحلم بمستقبل أفضل لأسرتها تواجه واقعاً يفرض عليها التضحية بمدخراتها أو ممتلكاتها من أجل إبقاء أبنائها على مقاعد الدراسة.

إن استمرار هذا الواقع يعني تحويل التعليم من حق دستوري إلى امتياز طبقي، ومن رسالة إنسانية إلى تجارة تدر الأرباح.

ولذلك، فإن مسؤولية الدولة لا تقتصر على منح الإجازات للجامعات الأهلية.

بل تشمل حماية المواطن من الاستغلال، ودعم التعليم الحكومي، ومراقبة الأقساط الدراسية، والحد من الفوضى التي تحيط بقطاع التدريس الخصوصي.

فالدولة التي تعجز عن توفير تعليم جيد ومتاح تترك المجتمع كله أمام مستقبل أكثر هشاشة.

إقطاعيات بزي أكاديمي

تحولت بعض الجامعات الأهلية إلى ما يشبه الدكاكين السياسية لشراء الأصوات.

فهي لم تعد، في بعض الحالات، مجرد مؤسسات تعليمية تُعنى ببناء العقول وصناعة الكفاءات، بل تحولت إلى أدوات نفوذ سياسي ووسائل غير مباشرة للوصول إلى السلطة.

وقد استغل عدد من أصحاب رؤوس الأموال والمتنفذين امتلاكهم لهذه المؤسسات التعليمية لتحويلها إلى قواعد انتخابية مغلقة، يكون فيها الطالب وعائلته هدفاً لحملات التأثير والابتزاز السياسي.

وتتجلى هذه الظاهرة في الوعود التي تُمنح للطلبة مقابل أصواتهم الانتخابية.

إذ يُعرض على الطالب تخفيض في القسط الدراسي بنسبة معينة مقابل انتخاب مرشح محدد.

وقد تزداد نسبة التخفيض كلما جلب الطالب عدداً أكبر من الأصوات من أفراد أسرته أو معارفه.

وهكذا يصبح صوت المواطن سلعة تُقايض بالأقساط الدراسية، وتتحول الجامعة من صرح علمي إلى مكتب انتخابي مقنع.

والأخطر من ذلك أن بعض الطلبة يجدون أنفسهم مضطرين للانخراط في هذه الممارسات بسبب أوضاعهم المعيشية الصعبة، وعجز أسرهم عن تسديد الرسوم الدراسية الباهظة.

شراء الأصوات وانتهاك روح الديمقراطية

تمثل هذه الممارسات انتهاكاً صارخاً لروح الديمقراطية ولمبدأ تكافؤ الفرص السياسية.

فهي تستغل حاجة الناس وفقرهم لتحقيق مكاسب انتخابية.

فالمرشح الذي يفترض أن يصل إلى البرلمان عبر برنامجه السياسي وكفاءته وخدمته للمجتمع، يصل في هذه الحالة عبر استغلال حاجة الطلبة وأزماتهم المالية.

وما يزيد خطورة الأمر هو افتتاح مكاتب وتنظيم شبكات تعمل على إدارة هذه التفاهمات والاتفاقات بعيداً عن القيم الأخلاقية والوطنية التي يفترض أن تحكم العملية الانتخابية.

إن استغلال التعليم لأغراض سياسية يعد من أخطر أشكال الفساد، لأنه يجمع بين المتاجرة بحق المواطن في التعليم والمتاجرة بحقه في الاختيار الحر.

فالطالب الذي يفترض أن ينشغل بالعلم والمعرفة يجد نفسه محاصراً بضغوط اقتصادية وانتخابية، فيما تُستخدم حاجته إلى الدراسة وسيلة للتأثير على قراره السياسي.

وهنا لا يقع الضرر على الطالب وحده، بل على المجتمع بأكمله. فالبرلمان الذي يُبنى على استغلال الفقراء وشراء الولاءات لا يمكن أن يكون ممثلاً حقيقياً لإرادة الشعب.

تجارة السقوط الأخلاقي

لم تعد المعركة في بعض غرف التجارة الأكاديمية، التي تسمى مجازاً جامعات أهلية، معركة تحصيل علمي أو بناء كفاءات.

بل تحولت إلى هندسة منظمة لتزييف الوعي العراقي.

وحين اصطدمت هذه المنظومة بالامتحانات الوزارية الرصينة، وجد المستثمر نفسه أمام مأزق يهدد أرباحه.

فرسوب الطالب يعني كساد بضاعته، وهبوط نسب النجاح يفضح هشاشة دكانه الاستثماري.

وهنا تحول المستثمر من مدير مؤسسة إلى مهندس للجريمة الأكاديمية، تسخر له كل الإمكانات لضمان نجاح عملية الغش الجماعي وتكريس ثقافة الشهادات الجوفاء.

وتتجلى أعتى صور هذه الشيطنة في لحظة الالتفاف على المراقبة الوزارية.

في تلك اللحظة الحرجة، لا يتردد رأس المال في استخدام أحط الحيل.

إذ يجري إطفاء الكهرباء وصناعة عتمة مفتعلة مقصودة داخل قاعات الامتحان، من أجل قطع خيوط الرقابة المركزية، وتعطيل كاميرات الوزارة، وإرباك المراقبين الخارجيين.

وفي هذه العتمة المصنوعة خلف جدران التواطؤ، ينقلب الأستاذ الجامعي والتدريسي،

بأمر قسري مباشر من المستثمر، من حارس للمبدأ والنزاهة إلى شريك في التزوير وملقن للأجوبة.

إطفاء الكهرباء وإطفاء القيم

إن الإطفاء المتعمد للتيار الكهربائي ليس مجرد حيلة لتهريب الأجوبة.

إنه إطفاء رمزي لآخر شموع القيم والأخلاق الوطنية في قطاع التعليم.

فعندما يرى الطالب أن أستاذه وجامعته هما من يقودان دفة الغش المقنن، تسقط في وعيه قيمة الجد والاجتهاد.

ويتحول إلى كائن مستهلك يؤمن بأن كل شيء يُشترى، حتى الشرف الأكاديمي.

هذه الممارسات الشرسة لا تدمر الرصانة العلمية للبلد فحسب، بل تمثل خيانة وطنية كبرى، وعملية غسيل أموال فكري.

فهي تضخ في جسد الدولة والوظائف العامة آلاف العقول الخاوية التي نجحت بقوة العتمة ونفوذ المستثمر.

إنها تجارة رابحة للمستثمر اليوم، لكنها قنبلة موقوتة ستنفجر غداً في وجه مجتمع بأكمله، حين يتولى هؤلاء الخريجون قيادة المؤسسات والمفاصل الحيوية.

الجامعات بين العلم والدعاية الانتخابية

يجب أن تكون الجامعات منابر للعلم والبحث والإبداع، لا ساحات للدعاية الانتخابية ولا أسواقاً لشراء الأصوات.

وعندما يتحول القسط الدراسي إلى ورقة ضغط انتخابية، فإن ذلك يكشف حجم الخلل الذي أصاب العلاقة بين المال والسياسة والتعليم في العراق.

فالأمم تبني مستقبلها بالعلم الحر. أما الدول التي يُستغل فيها التعليم لتحقيق المكاسب السياسية، فإنها تخاطر بمستقبل أجيال كاملة، وتفتح الباب أمام فساد أعمق وأخطر.

ولا يمكن لأي بلد أن يحقق نهضة حقيقية إذا أصبح العلم حكراً على القادرين مالياً.

فالتعليم ليس مشروعاً استثمارياً كسائر المشاريع. بل هو حق وطني وأداة لبناء الأجيال.

مستقبل التعليم العراقي على المحك

ما لم يُعَد النظر في واقع الجامعات الأهلية والتدريس الخصوصي، فإن الأسرة العراقية ستبقى الضحية الأولى.

وسيظل الطالب العراقي يدفع ثمن نظام جعل من حلم التعلم عبئاً مالياً ثقيلاً، بدلاً من أن يجعله طريقاً نحو المستقبل.

إن التعليم العراقي اليوم يقف بين خيارين: إما أن يعود إلى كونه حقاً عاماً، ومشروعاً وطنياً،

وأداة للعدالة الاجتماعية، وإما أن يواصل التحول إلى سوق مغلقة يربح فيها المستثمر، ويخسر فيها الطالب والأسرة والمجتمع.

وهنا لا تكون الأزمة أزمة مدرسة أو جامعة فقط. بل أزمة دولة كاملة، لأن الدولة التي تسمح ببيع الوهم للفقراء عبر التعليم إنما تفرط بأهم مورد تملكه: الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *