مزادات النخاسة في زمن المنصات
في فضاء منصات التواصل الاجتماعي، وسط ضجتها الرقمية التي لا تهدأ، تداول ناشطون مؤخراً مقطعاً ومادة خبرية لم تؤكدها الجهات الرسمية أو تنفها بشكل قاطع.
تحدثت المادة عن مشهد سريالي صدم المتابعين. إذ ظهر حديث عن شخص يحاول بيع مواطن باكستاني علناً في سوق الغزل، في قلب بغداد، حيث تزدحم الأرصفة بضجيج الطيور والحيوانات الأليفة.
وسواء كانت الواقعة حقيقة أمنية جرى احتواؤها، أو مجرد شائعة وصناعة محتوى تهدف إلى إثارة التفاعل والاشمئزاز، فإن تحولها السريع إلى تريند يحمل دلالات خطيرة.
فهذا التحول لا يمثل مجرد حدث معزول. بل يمثل مرآة مكبرة تفضح عاهة بنيوية في الوعي الجمعي.
لقد انتفضت كرامة المجتمع فجأة خلف الشاشات لرفض فكرة بيع فرد واحد. لكن المجتمع نفسه يتعايش يومياً، ببرود مريب وتبلد كامل، مع مشهد بيع شعب بأكمله.
كما يتعايش مع تجريف تاريخه، ونهب نفطه، وتفكيك أركان دولته في وضح النهار.
ومن هنا، لا تقف مزادات النخاسة عند حدود قصة متداولة في سوق الغزل. بل تتحول إلى رمز سياسي واجتماعي أوسع، يكشف كيف ينتبه الوعي العام إلى الصدمة الفردية، وينسى الكارثة الكبرى.
التطبيع مع الكارثة وتفاهة الشر
تحيلنا هذه المفارقة مباشرة إلى مفهوم التطبيع مع الكارثة.
وقد فككت المفكرة الفلسفية حنة آرندت هذا المعنى في أطروحتها الشهيرة عن تفاهة الشر.
ترى آرندت أن أخطر أنواع الشرور لا يرتكبها دائماً ساديون غريبو الأطوار. بل يظهر الشر الأخطر حين يحوله التكرار والاعتياد إلى إجراء إداري روتيني لا يثير دهشة أحد.
في بلاد الرافدين، صارت سرقة المليارات جزءاً من السيستم اليومي.
كما تحولت مؤسسات الدولة إلى دكاكين ومغانم تتقاسمها قوى المحاصصة. وصار هذا المشهد مألوفاً يمر خلف شاشات التلفاز كما تمر حالة الطقس.
أما الحديث عن بيع إنسان في سوق الطيور، فيقع خارج السياق المعتاد للمألوف.
ولهذا السبب استنفر المجتمع هويته الأخلاقية لمحاصرة المشهد الافتراضي لبائع الباكستاني.
لكن هذا المجتمع نفسه غض الطرف عن باعة الأوطان، الذين يقودون مزادات الخراب في المنطقة الخضراء وخارجها.
لماذا يستفزنا الفرد ولا توقظنا الكارثة؟
يستهلك العقل البشري طاقة أقل في استنكار الأحداث الفردية الصادمة. فهو يستطيع أن يحدد الضحية، والجاني، والمشهد، ولحظة الفعل.
أما الكوارث الهيكلية المعقدة، فتحتاج إلى وعي أعمق. كما تحتاج إلى قدرة على الربط بين المال، والسلطة، والمؤسسات، والتاريخ، ومصالح القوى النافذة.
لذلك، يتفاعل الناس بسرعة مع قصة فرد في سوق الغزل. لكنهم يتعاملون بصمت مع بيع وطن عبر العقود، والصفقات، والولاءات، ونظام الغنيمة.
وهنا تكمن خطورة مزادات النخاسة الرمزية.
فالقضية ليست في احتمال بيع شخص واحد فقط. بل في يقين بيع حقوق الملايين، ومقدراتهم، ومستقبلهم، وثرواتهم، من دون أن يتحول ذلك إلى صدمة أخلاقية مستمرة.
غياب نقد العقل السياسي
يعود هذا الانفصام في الوعي إلى غياب نقد العقل السياسي.
كما يعود إلى اهتمام الخطاب العام بالأعراض، بدلاً من المرض ذاته.
بعد عام 2003، تحول الخطاب الفكري والسياسي في العراق إلى وظيفة هامشية في كثير من الأحيان.
صار يعلق على نشرات الأخبار. ويحصي أرقام السرقات. ويقع في شرك الثنائيات العقيمة: مع السلطة أو ضد السلطة.
لكن السلطة في حقيقتها لا تعني أجهزة أمنية ومباني حكومية فقط.
فالسلطة بنية ذهنية وطريقة حكم. وطالما لا نخضع هذه البنية لمحاكمة نقدية جذرية، ستظل الأزمة تعيد إنتاج نفسها.
نحتاج إلى تفكيك نسق الاستبداد والغنيمة. ومن دون ذلك، ستبقى الحلقة المفرغة قائمة.
محاكم المشانق والرصاص لا تكفي
يميل الناس سيكولوجياً إلى محاكم المشانق والرصاص.
نفرح إذا سقط فاسد. ونبتهج إذا أُزيح طاغية. لكننا نكتشف في اليوم التالي أن النهج نفسه فرّخ وجوهاً جديدة.
يحدث ذلك لأن العقل المنتج للخنوع لم يتغير.
فالمشكلة لا تنتهي عند رأس فاسد أو وجه سياسي مستهلك. بل تبدأ من منظومة تفكير ترى الدولة غنيمة، والمال العام فرصة، والشعب كتلة قابلة للبيع أو الاستخدام.
ولهذا، لا تكفي الإطاحة بالأشخاص.
نحتاج إلى محاكمة المنهج الذي يسمح بتكرار الأشخاص أنفسهم بأسماء جديدة.
من التجربة البريطانية إلى نقد العقل العربي
تاريخياً، لم تنهض الأمم التي مرت بكوارث كبرى إلا عندما امتلكت نخبتها شجاعة الحفر في الأعماق.
لم تكتفِ تلك النخب بالطفو على السطح، أو بتغيير الوجوه، أو بتزيين المؤسسات القديمة بلغة جديدة.
في بريطانيا، وبعد الحرب الأهلية المروعة في القرن السابع عشر، لم يكتفِ المجتمع بإعدام الملك تشارلز الأول.
بل ذهب فلاسفة مثل جون لوك وتوماس هوبز إلى تفكيك مفهوم العقد الاجتماعي. كما أعادوا صياغة العقل الذي يدير السلطة والثروة.
وفي التجربة العربية المعاصرة، حاول مفكرون مثل محمد عابد الجابري، في مشروعه نقد العقل العربي، أن ينبهوا إلى موقع العطب الحقيقي.
فالعطب لا يكمن في الأشخاص فقط. بل يكمن في النظم المعرفية والموروثات الثقافية التي تبرر الاستبداد.
كما يكمن في تلك الموروثات التي تجعل المجتمع يرى في الحاكم مالكاً للرقاب، وفي الثروة العامة فيئاً وغنيمة.
عصر التسطيح وسقوط النخب
حين يغيب النقد الجذري، تفرغ النخب الثقافية من محتواها الفكري.
ثم تتحول إلى أدوات تبرير، أو إلى كائنات استعراضية تحركها بورصة اللايكات والتفاعلات اللحظية.
عندها ينفتح الباب واسعاً أمام عصر التسطيح.
في هذا العصر، تصبح إدارة المصائر وبناء الدول مهنة مستباحة. ويتصدرها اللصوص والقتلة ومن هب ودب، بعد أن كانت اختصاصاً لأهل العلم والضمير والمعرفة.
ويضيع التمييز بين الجوهري والهامشي.
يصمت المجتمع عن تبديد مئات المليارات من دولارات النفط. كما يصمت عن تدمير أقدم الحضارات.
وفي الوقت نفسه، يتعامل مع خبر أو شائعة بيع فرد في سوق الغزل كخروج فريد عن الملة والأخلاق.
وهذا لا يعني أن بيع الفرد أمر صغير. بل يعني أن بيع الوطن يجب أن يهز الضمير أكثر، لا أقل.
بيان إدانة لخطابنا السياسي والاجتماعي
إن تلك الحادثة المتداولة ليست مجرد فضيحة عابرة أو إشاعة منصات.
إنها بيان إدانة صارخ لخطابنا السياسي والاجتماعي.
فهي تخبرنا بوضوح أن العقل الذي يستغرب من احتمالية بيع فرد، ويصمت عن يقينية بيع شعب، يعاني من مأزق بنيوي خانق.
إنه عقل عاجز عن النظر في المرآة، كي يرى تشوهاته الخاصة.
ومن هنا، لا يكفي أن نستنكر مزادات النخاسة بوصفها مشهداً شاذاً. بل يجب أن نرى المزاد الأكبر الذي يحاصر الدولة والمجتمع.
فهناك من يبيع المال العام.وهناك من يبيع القرار السياسي.وهناك من يبيع ذاكرة البلد.وهناك من يحول المستقبل إلى صفقة مؤجلة.
الخروج من متاهة مزادات النخاسة
لن يتحقق الخروج من هذه المتاهة باستبدال فاسد بفاسد.
كما لن يتحقق بتبديل الطلاء الخارجي للمؤسسات المتهالكة.
الخروج يحتاج إلى جرأة القطيعة المعرفية مع هذا العقل الرث.
كما يحتاج إلى إقامة محاكمات فكرية للمناهج التي جعلت من الوطن ساحة مزاد علني.
فهذه المناهج حولت الشعب إلى جمهور من المتفرجين، ينتظرون دورهم في البيع.
ولذلك، لا تبدأ المعركة الحقيقية من سوق الغزل وحده. بل تبدأ من نقد السوق الأكبر: سوق السلطة، وسوق النفط، وسوق الولاءات، وسوق الصمت.
حينها فقط نستطيع أن نفهم أن مزادات النخاسة ليست حادثة في الهامش. بل عنوان مكثف لزمن كامل، باع الإنسان والوطن معاً، ثم ادعى أنه فوجئ بالمزاد.


