قواعد الاشتباك بعد ليلة الصواريخ
لم يعد ما جرى بين أمريكا وإيران مجرد تبادل ضربات عسكرية. فقد دخل الطرفان مرحلة جديدة من الصراع الأميركي ـ الإيراني، عنوانها إدارة الحرب من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
لقد أعادت ليلة الصواريخ رسم قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط. فالهجمات الأميركية الواسعة استهدفت عشرات المواقع العسكرية الإيرانية. ثم ردت إيران بالصواريخ والطائرات المسيّرة على قواعد أميركية في البحرين والكويت وقطر.
وجاءت هذه المواجهة بوصفها أكبر مواجهة مباشرة بين الطرفين منذ التفاهمات السابقة.
وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة استهدفت نحو 90 موقعاً عسكرياً إيرانياً. وفي المقابل، أعلنت إيران استهداف قواعد أميركية في الخليج، مع استمرار الطرفين في إرسال رسائل ردع متبادلة.
ومن هنا، لم تعد المعركة مجرد ضربة ورد. بل أصبحت اختباراً مفتوحاً لقواعد الاشتباك الجديدة بين واشنطن وطهران.
أولاً: إيران انتقلت من الصبر الاستراتيجي إلى الردع النشط
اعتمدت طهران، طوال سنوات طويلة، سياسة الرد غير المباشر عبر الحلفاء والوكلاء.
لكن التطورات الأخيرة تكشف تغيراً واضحاً في العقيدة العسكرية الإيرانية. فالرد هذه المرة لم يأت عبر وكلاء. بل جاء عبر استهداف مباشر لقواعد أميركية.
كما استخدمت إيران الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. ثم أعلن الحرس الثوري العملية بصورة رسمية.
وهذا يعني أن إيران أرادت تثبيت معادلة جديدة. ومضمونها أن أي هجوم أميركي واسع سيقابله استهداف مباشر للقوات الأميركية في الخليج.
لكن اللافت أن إيران اختارت قواعد ثابتة داخل الخليج. ولم تتجه نحو حاملات الطائرات الأميركية في البحر أو السفن الرئيسية.
وهذا الاختيار يعكس محاولة إيرانية لرفع كلفة العمليات الأميركية، مع تجنب تجاوز عتبة قد تقود إلى حرب شاملة.
لذلك، بدا الرد الإيراني رسالة محسوبة. فهو يريد تعديل قواعد الاشتباك، لا تفجير المنطقة بالكامل.
ثانياً: واشنطن اعتمدت استراتيجية شلّ القدرات
لم تستهدف الضربات الأميركية القيادة السياسية الإيرانية. كما لم تحاول إسقاط النظام.
بل ركزت واشنطن على قواعد الصواريخ، ومخازن المسيّرات، والبنية اللوجستية، والموانئ العسكرية، وأجزاء من شبكة النقل التي تُستخدم في الإمداد العسكري.
وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية.
الأول هو تقليل قدرة إيران على تنفيذ هجمات متكررة.
والثاني هو حماية الملاحة في مضيق هرمز.
أما الثالث، فهو فرض كلفة عسكرية مرتفعة على طهران من دون الانخراط في احتلال بري.
وبالتالي، لم تتحرك واشنطن بمنطق الحرب الشاملة. بل تحركت بمنطق شلّ القدرات، وإدارة التصعيد، ومنع إيران من توسيع هامش الرد.
وهنا أيضاً تظهر قواعد الاشتباك الجديدة. فواشنطن تريد ضرب القوة العسكرية الإيرانية، لكنها لا تريد الوصول إلى نقطة انهيار السيطرة السياسية على مسار الحرب.
ثالثاً: الخليج أصبح ساحة الحرب وليس طرفاً فيها
ما حدث يؤكد حقيقة استراتيجية مهمة. فالقواعد الأميركية الموجودة في الخليج أصبحت أهدافاً مباشرة.
وبالتالي، أصبحت البحرين والكويت وقطر عملياً جزءاً من مسرح العمليات العسكرية. لا لأنها أطراف ترغب في المواجهة، بل لأن القوات الأميركية موجودة على أراضيها.
وهذا الواقع يفرض تحدياً أمنياً كبيراً على دول الخليج.
فهي تحتاج إلى استمرار الشراكة الأمنية مع واشنطن. لكنها تريد، في الوقت نفسه، تجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع إيران.
ومن هنا، تتحول قواعد الاشتباك بين أمريكا وإيران إلى عبء مباشر على دول الخليج. فهذه الدول قد تدفع كلفة التصعيد، حتى عندما لا تكون صاحبة القرار في إطلاقه.
رابعاً: لماذا لم تغلق إيران مضيق هرمز بالكامل؟
رغم التصعيد، لم تقدم إيران على إغلاق كامل لمضيق هرمز.
والسبب أن هرمز يمثل بالنسبة لطهران أكثر من ممر بحري. فهو ورقة ضغط استراتيجية، وأداة تفاوض، ومصدر اقتصادي غير مباشر.
وإغلاق المضيق بصورة كاملة يعني أن إيران ستخسر جزءاً من قدرتها على التفاوض.
كما أنه سيستعدي الصين والهند، وهما من أكبر المشترين للطاقة في المنطقة.
إضافة إلى ذلك، سيمنح الإغلاق الكامل الولايات المتحدة غطاءً دولياً لتوسيع العمليات العسكرية.
لذلك، تستخدم إيران التهديد بالمضيق أكثر مما تستخدمه كسلاح دائم.
وهذه نقطة مهمة في فهم قواعد الاشتباك. فطهران لا تريد حرق ورقتها الأهم. بل تريد إبقاءها حاضرة فوق الطاولة، كي ترفع كلفة الضغط عليها.
خامساً: لماذا بقيت حاملات الطائرات خارج المعركة؟
تشير المعطيات إلى أن القطع البحرية الأميركية الرئيسية تمركزت بعيداً عن مناطق الخطر المباشر.
كما اعتمدت واشنطن على الطيران بعيد المدى والصواريخ البحرية لتنفيذ الضربات.
ويعكس هذا الخيار إدراكاً أميركياً واضحاً. فالحفاظ على الأصول البحرية الكبرى يمثل أولوية في أي تصعيد.
كما أن تجنب وضع حاملات الطائرات ضمن مدى النيران الإيرانية يقلل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
وبذلك، حاولت واشنطن أن تضرب بقوة، من دون أن تضع رموز قوتها البحرية الكبرى في موقع الاستهداف المباشر.
وهذا السلوك لا يدل على ضعف. بل يدل على أن واشنطن تدير التصعيد وفق حسابات دقيقة، وتعرف أن إصابة حاملة طائرات قد تغير طبيعة الحرب كلها.
سادساً: دخول البنية التحتية المدنية يمثل أخطر تحول
من أخطر التطورات التي شهدتها طهران استهداف الجسور وخطوط السكك الحديدية وبعض البنى التحتية.
فعندما تنتقل الحرب من القواعد العسكرية إلى البنية الاقتصادية، يدخل الصراع مرحلة أكثر خطورة.
في هذه المرحلة، لا يحاول الطرفان إنهاك القوات المسلحة فقط. بل يحاولان إنهاك الاقتصاد أيضاً.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة من الحروب، تُعرف بحرب الاستنزاف الاقتصادي.
وهذا التحول يحمل دلالات خطيرة. فهو يوسع أثر الحرب على المجتمع، والأسواق، والنقل، والطاقة، والحياة اليومية.
كما أنه يجعل قواعد الاشتباك أكثر هشاشة. فكل استهداف للبنية المدنية أو الاقتصادية قد يفتح باباً لردود أوسع وأقل قابلية للضبط.
سابعاً: الدبلوماسية قائمة ولم تمت
رغم هدير الصواريخ واتساع رقعة المواجهة، لم تغادر الدبلوماسية المشهد بالكامل.
فما زالت قنوات الاتصال غير المعلنة تعمل عبر وسطاء إقليميين ودوليين. وهذا مؤشر واضح على أن الطرفين يدركان حدود القوة وحدود المخاطرة في الوقت نفسه.
فالتاريخ يثبت أن المفاوضات في الأزمات الكبرى لا تبدأ عادة في لحظات الهدوء.
بل تبدأ عندما يبلغ التصعيد ذروته، ويصل الجميع إلى قناعة بأن كلفة استمرار المواجهة أصبحت أعلى من كلفة التفاهم.
ومن هذا المنطلق، يعكس استمرار الوساطات والاتصالات الخلفية رغبة متبادلة في إبقاء باب الحلول السياسية موارباً.
حتى الآن، ما زالت لغة الصواريخ هي السائدة في الميدان. لكن هذا لا يعني أن السياسة ماتت.
لذلك، لا يزال الصراع محكوماً بمنطق الردع المتبادل وإدارة التصعيد، أكثر من كونه اندفاعاً كاملاً نحو حرب إقليمية شاملة.
وهذا يجعل الساعات المقبلة حاسمة. فهي ستحدد ما إذا كانت الضربات العسكرية وسيلة لتحسين شروط التفاوض، أم مقدمة لانفلات الصراع إلى مستويات يصعب احتواؤها.
خلاصة قواعد الاشتباك الجديدة
تكشف ليلة الصواريخ أن واشنطن وطهران لا تريدان، حتى الآن، حرباً شاملة. لكنهما تريدان إعادة تعريف حدود القوة، وكلفة الرد، ومعنى الردع.
إيران انتقلت من الصبر الاستراتيجي إلى الردع النشط. أما واشنطن، فانتقلت إلى استراتيجية شل القدرات من دون إسقاط النظام.
وفي المنتصف، وجد الخليج نفسه ساحة عمليات، لا طرفاً مقرراً في الحرب.
أما مضيق هرمز، فبقي ورقة ضغط لا سلاحاً دائماً. وبقيت حاملات الطائرات خارج مدى الخطر المباشر. في حين فتح استهداف البنى التحتية الباب أمام حرب استنزاف اقتصادي أكثر تعقيداً.
وهكذا تبدو قواعد الاشتباك الجديدة في الشرق الأوسط قائمة على معادلة شديدة الحساسية: ضربات كبيرة، وردود محسوبة، ورسائل ردع، وقنوات تفاوض خلفية.
لكن هذه المعادلة قد تصمد، وقد تنهار. فكل صاروخ جديد قد يكون رسالة تفاوض، وقد يكون أيضاً بداية لانفلات لا يريده أحد، لكنه قد يفرض نفسه على الجميع.


