صولة الفجر ومسرح السياسة الغامض
في دهاليز المشهد السياسي، تقف الضبابية في مقدمة المشهد.
وتتطاير التصريحات النارية مثل شرارات الألعاب النارية في ليلة العيد.
وفي وسط هذا كله، يجد المواطن نفسه مجدداً في الصفوف الأمامية لمسرحية لم يشترِ تذكرتها بإرادته.
لقد تعودنا، نحن معشر المشاهدين، أن نتابع مواسم درامية ممتعة ومثيرة.
وكان آخر هذه المواسم ما سماه البعض صولة الفجر.
ذلك العرض الخاطف للأنفاس حبس الأنفاس. كما جعل الجميع يترقب الحلقة القادمة بفارغ الصبر.
المخرج المنفذ خلف الكواليس
تكمن المفارقة في هذه المسلسلات الواقعية أنها تذكرنا بروائع الدراما العربية.
قد يستحضرها البعض على طريقة مسلسل رأفت الهجان.
وقد يراها آخرون بنكهة عراقية خالصة، تشبه صراعات ذئاب الليل.
في هذه الأعمال، يلف الغموض البطل والشرير معاً.
أما المخرج المنفذ خلف الكواليس، فيبدو أنه وحده يملك مفاتيح السيناريو.
فهو يمرر المعلومات بالقطارة. ويترك الشعب في دوامة من التكهنات والتحليلات.
وتتجاوز هذه التحليلات، في خيالها أحياناً، كتاب هوليوود أنفسهم.
بين سوداوية المتشائم وبريق المتفائل
كالعادة، ينقسم جمهور المتابعين أمام شاشات الواقع إلى فئتين واضحتين.
هناك جبهة المتشائمين.
وهناك جبهة المتفائلين.
وكل جبهة تقرأ صولة الفجر من زاوية مختلفة.
فالمشهد نفسه يمنح كل طرف ما يكفي من الأدلة. لذلك، لا يستطيع أحد أن يحسم النهاية قبل عرض الحلقة الأخيرة.
جبهة المتشائمين: موسم جديد من مسلسل قديم
يرى أصحاب هذا التيار أننا أمام موسم جديد من مسلسل طويل لا ينتهي.
في نظرهم، لا تحمل صولة الفجر تحولاً حقيقياً.
بل تمثل إعادة إنتاج لقصص قديمة، أو نسخة جديدة من سيناريو سابق.
تبدأ الصولة بضجيج كبير. ثم تنتهي بصلح.
وتذوب الوعود النارية كما يذوب قالب الثلج تحت شمس تموز.
وفي النهاية، تبقى الوجوه نفسها. وتبقى الآليات نفسها. كما تبقى النتائج نفسها.
بالنسبة إلى هؤلاء، كتب السيناريو نهايته منذ البداية.
وسينتهي المشهد بعبارة مألوفة: يتبع في الموسم القادم.
جبهة المتفائلين: أمل بكسر الحلقة
على المقلب الآخر، يتمسك بعض المتابعين بقشة الأمل.
يرى هؤلاء في صولة الفجر بداية حقيقية لكسر الحلقة المفرغة.
ويعتقدون أن المخرج هذه المرة جاد في تقديم نهاية مغايرة.
فالعقدة الدرامية، في تصورهم، وصلت إلى ذروتها.
ولذلك، لا يمكن إغلاق الستار من دون نهاية حتمية تليق بحجم الانتظار.
كما يجب أن تليق هذه النهاية بالمقادير الملقاة في طنجرة الضغط الشعبي.
هكذا ينظر المتفائلون إلى المشهد. فهم لا يريدون موسماً جديداً من الخيبة. بل ينتظرون لحظة فاصلة تغير قواعد اللعبة.
أمنية المشهد الأخير
الشعب المشحون بالشغف والتشويق لا يطلب هذه المرة مؤثرات بصرية مذهلة.
كما لا يريد خطابات رنانة تشبه موسيقى تصويرية حماسية لا تسمن ولا تغني من جوع.
الأمنية الحقيقية تتجاوز متعة المشاهدة.
فالشعب يريد نهاية سعيدة بمقاييس العدالة المنشودة.
والنهاية السعيدة، في عرف هذا الشعب، لا تعني زواج البطل من البطلة.
بل تعني رؤية الفاسدين خلف القضبان.
وتعني أيضاً استعادة الأموال المنهوبة التي تبخرت في حسابات عابرة للقارات.
عدالة بلا دماء وقفلة بلا خداع
يريد الناس نهاية تشبه لحظة انتصار الحق في مسلسل الزير سالم.
لكنهم لا يريدون دماء.
يريدون سلطة القانون.
يريدون نهاية تفرح فيها العائلات التي سلب الفساد أحلامها.
كما يريدون لحظة تعود فيها الحقوق إلى أصحابها.
عندها فقط تصبح الفرحة حقيقية.
ولا تتحول إلى قفلة درامية هدفها الإثارة الإعلامية فقط.
بقي شيء
هل ستكون النهاية منصفة للجمهور الذي دفع ثمن الإنتاج من قوته ويومه؟
أم سنكتشف في الحلقة الأخيرة أن البطل والشرير كانا يقرآن من النص نفسه؟
الأيام القادمة كفيلة بعرض تتر النهاية.
وهي وحدها ستجيب عن السؤال الأزلي:
هل سنصفق فرحاً، أم سنغير القناة بانتظار صولة أخرى؟


