تشهد البيئة الجامعية العراقية ظاهرة متنامية تتمثّل في ازدواجية الخطاب لدى بعض الأكاديميين الذين يُفترض فيهم أن يكونوا حَمَلة القيم المعرفية والأخلاقية ففي قاعات الدرس النهارية يظهر الأكاديمي بمظهر الناقد الجريء للسلطة والمحذّر من الجماعات فوق الدولة والمندّد بالسلاح المنفلت باعتباره سبباً رئيساً في فشل بناء الدولة وانهيار مؤسساتها هذا الخطاب يُقدَّم أمام الطلبة بوصفه خطاباً إصلاحياً يزرع فيهم قيم الدولة والقانون والمواطنة.
غير أن الممارسة العملية لبعض هذه النخب تأخذ في الليل شكلاً مختلفاً تماماً حيث ينخرط الأكاديمي ذاته في أدوار استشارية أو تواصلية مع الجماعات التي كان يهاجمها علناً في قاعات الدراسة بل ويعزّز لديها سرديات مفادها أنّ زمن الدولة قد انتهى وأنّ السلاح فوق القانون هو القاعدة في “عالم السيولة” الذي يصفه هو نفسه وهكذا يتحوّل الأكاديمي من مُنتِج للوعي النقدي إلى مُسوِّغٍ لشرعية اللادولة ومن منبرٍ للتنوير إلى قناة لإعادة إنتاج خطاب الجماعات الموازية.
أكاديميون على مائدة السلاح
إنّ ما يمكن وصفه بـ «أكاديميون على مائدة السلاح» ليس مجرد توصيف مجازي بل انعكاس حقيقي لحالة تتجاوز الفرد لتشكل ظاهرة بنيوية إذ يجلس بعض النخب الأكاديمية – رمزياً أو فعلياً – على مائدة واحدة مع الفاعلين المسلحين الذين يدّعون انتقادهم نهاراً فيعيدون إنتاج خطاب الجماعات الموازية ليلاً ويضفون عليه غطاءً أكاديمياً يمنحه الشرعية.
إن استمرار هذه الازدواجية لدى بعض الأكاديميين يشكل تهديداً مباشراً لبناء الدولة العراقية الحديثة، حيث يُضخم فجوة الثقة بين الطالب والجامعة، ويهدر القيم الوطنية والمهنية. كما أنّ هذا السلوك يُحوّل المؤسسات التعليمية من منابر للتنوير إلى أدوات لتبرير الفوضى والسلطة الموازية. إنّ استغلال المكانة الأكاديمية لإضفاء الشرعية على الفصائل المسلحة يعكس غياب المساءلة والمحاسبة داخل الجامعة، ويؤدي إلى نشوء جيل يعتاد على التناقض بين القول والفعل. لذلك، من الضروري وضع آليات صارمة لضبط الخطاب الأكاديمي وضمان الالتزام بالقيم القانونية والأخلاقية، وحماية التعليم من الانحرافات السياسية. فالأكاديمية يجب أن تكون ساحة للتفكير النقدي، لا منصة لإضفاء الغطاء على مشاريع تتناقض مع مصلحة الدولة والمجتمع. الحفاظ على نزاهة الجامعة واجب وطني، لأنه يحدد مستقبل العراق واستقراره السياسي والاجتماعي.
ظاهرة الازدواجية الخطابية للنخب الجامعية في العراق
هذه الظاهرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها حالات فردية معزولة بل بوصفها تعبيراً عن خلل عميق في العلاقة بين المعرفة والسلطة في السياق العراقي حيث تتسع مساحة “الازدواجية الأخلاقية” داخل النخبة الأكاديمية فتهتز الثقة المجتمعية بالجامعة وتفقد الأخيرة دورها كحارس للقيم العامة إن خطورة الظاهرة تكمن في أنّها تضعف الطالب الذي يبحث عن نموذج معرفي يُحتذى وتؤسس لجيل يتربى على القبول بالتناقض بين الخطاب والممارسة فيتحول التعليم من أداة لبناء الدولة إلى أداة لتفكيكها.
وعليه فإن مقاربة هذه الظاهرة تستدعي نقاشاً معمّقاً حول أخلاقيات المهنة الأكاديمية وآليات ضبط الخطاب العام للنخب الجامعية بما يتسق مع قيم الدولة والقانون ويمنع توظيف الجامعة كغطاء لتسويق مشاريع موازية للدولة أو شرعنة اللادولة تحت لافتات أكاديمية.


